السبت، 27 أكتوبر 2012

قانون التحرش الجنسي .. وصراع التيارات



قبل عدة اشهر قدّم مجلس الشورى السعودي مسودة مشروع لايجاد نظام يحمي المرأة من اضرار التحرش الجنسي، ويقرّ بتحديد عقوبات للمتحرش تشمل الانذار والغرامات المالية الكبيرة وصولا الى الجلد والسجن. فيما بعد تم استبعاد المشروع مع ضم قضية التحرش بالمرأة الى برنامج "الحماية من الايذاء للأسرة"

وكعادة كل المواضيع التي تتعلق بالمرأة، تحول النقاش حول اقرار قانون التحرش الجنسي الى لهيب صراع التيارات المسكون بالتعصب وسوء النية والحرص على الانتصار للذوات على حساب المصلحة العامة. وان كان موقف المحافظين ورفضهم للقانون باعتباره ضمن الاجندة التغريبية للمجتمع عجيبا وغير مفهوم، فالأعجب منه استبشار الليبراليين وترحيبهم المبالغ فيه واعتبار القانون انتصارا لهم ولفكرهم. وفي هذا الجو المتأزم تضيع الحقائق وسط المبالغات التي تتجاوز حدود المنطق والعقل، والتي يلجأ اليها كل فريق لدعم موقفه.

السؤال الحقيقي الذي من المفترض أن يطرح قبل الدخول في معمعة الجدل هو: هل يوجد تحرش جنسي في السعودية؟

والاجابة هي نعم بالتأكيد، قد نتجادل حول ما اذا كانت ظاهرة أو أزمة تهدد المجتمع، وقد يتعذر الاستشهاد بنسب دقيقة كما يحدث في الدول المتقدمة لعدة أسباب منها أن معظم خطايانا في الظلام لغياب الاحصائيات الموثوقة ولجوء ضحايا التحرش في العديد من الحالات الى الصمت واحجامها عن التبليغ أو التقدم بالشكوى لأسباب في غالبها اجتماعية. ومع ذلك فلا يمكن لأحد ان يزعم "ملائكية" المجتمع أو ينفي وجود التحرش، وحتى اولئك المحافظين الذين يرفضون قانون التحرش بحجة أنه لا توجد ضرورة له، هم أنفسهم من سيحدثونك عن الذئاب البشرية وأصحاب القلوب المريضة لو انتقل النقاش للحديث عن دور الهيئة. اذاً يمكن أن نسلم بأن الطرفين يقرّان بوجود حالات التحرش الجنسي في المجتمع بكل درجاته وأنواعه.

مشكلة المعارضين للقانون من المتحفظين أنهم نظروا اليه من منطلق صراعهم الأزلي مع التيار الليبرالي، وبالتالي فهم لم يفهموا القانون من حيث دوافعه ونتائجه، بل تعاملوا معه وفهموه على أنه مشروع تغريبي وأنه يهدف لتشريع الاختلاط وتقنينه كما عبّرت الدكتورة نورة السعد في رسالتها الى مجلس الشورى التي تطالبهم فيه بالغاء نقاش القانون وعدم اقراره. واذا تفهمنا أسباب اعتراض المحافظين ومخاوفهم، فاننا لم نفهم بعد الحل البديل الذي يقدّمونه للحدّ من حالات التحرش، بدلا من تركها تسبح في العموميات وتخضع لمزاج القاضي واجتهاداته. فلم تعد عبارة "تطبيق الشريعة" المستهلكة الفضفاضة تفي بالغرض، خصوصا اذا علمنا أن مفهومهم لتطبيق الشريعة هو منع المرأة من الاختلاط في بيئات العمل وحبسها في البيت كي لا تتعرض للتحرش، في تجاهل تام لحقيقة أن التحرش بات موجودا في كل مكان، في الاسواق والمستشفيات والشوارع وفي الحرم، بل حتى بعض البيوت لم تخلو من حالات تحرش المحارم. وبالتالي يتناسى هؤلاء أن غاية تطبيق الشريعة هو تحقيق المصلحة التي تساير حياة الناس لاالتصادم مع بديهيات واقعهم ومتغيراته، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار سنّ القوانين "الوضعية " التي تحمي المجتمع ضد المصلحة العامة.

وبالنظر من زاوية أخرى نجد أن فرض قوانين وأنظمة مدنية واضحة تحكم المجتمع وتردع المتحرش لن يتوقف تأثيرها على تعزيز الأمان وتهذيب التعاملات بين الناس فقط، بل سيمنح المرأة حق التعبير عن كيانها كفرد مكلف ومسؤول ومحاسبة كل من يتعدى عليها بالمضايقات أو الانتهاكات، وسيلغي تدريجيا ذهنية لوم الضحية السائدة في المجتمع والتي تفترض أن من تتعرض للتحرش تستحقه لأنها خرجت من منزلها أو لأنها لم تلتزم بالحجاب الكامل الخ. مما يعني أن السبب الحقيقي وراء تذمر المحافظين من سنّ مثل هذه القوانين، هي معرفتهم بأنها ستفقدهم مبررات تسلطهم على خلق الله بدعوى حماية الفضيلة، وتنهي ثنائية الذئب البشري/الفريسة التي تكّسب منها الخطاب الديني المحافظ ردحاً من الزمن، خصوصا حين يظهر تهافتها بالتزام الشاب السعودي بذات القوانين التي يلتزم بها حين يكون في دبي أو لندن والتي تجعله يخشى ان يرفع بصره لأي امرأة  تمر أمامه ناهيك عن التلفظ عليها خوفا من أن تتهمه بالتحرش بها وتعرّضه لعقوبات هو في غنى عنها

بقي أن أشير الى أن قانون التحرش الجنسي لن يكون الحل الجذري لسوء الخلق ولن يساعد في تغيير النفوس القبيحة، تماماً بنفس الطريقة التي لم يكن بها الوعظ الديني والوجداني وحده كفيلا بتنظيم العلاقات بين الناس، والمطالبة باتخاذ التدابير القانونية لا يعني بالضرورة الدعوة للتخلي عن الأساليب التي تهدف لتقويم سلوك الفرد سواءً بالتنشئة الدينية أو الوعظ الأخلاقي وغيره

:روابط أخرى 

http://whymecampn.blogspot.com/2012/10/re-publish.html

http://voicesofyoungsaudisoftheng.blogspot.com/2012/10/blog-post.html?utm_source=twitterfeed&utm_medium=twitter


الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

مملكة النساء .. حيث لا حول ولا قوة للرجال

حكمة: خير لنا أن نضحك على النائبة من أن نبكي منها      

عُرف فن التهكم والسخرية كوسيلة لتوجيه النقد، خاصة في ظل الأوضاع التي يكون فيها النقد مكبوتا بحواجز من السلطة المادية والمعنوية كما هو الحال في مجتمعاتنا، اذ يستحيل أن تنتقد بجرأة دون أن تصطدم بسلطة الحكومة أو سلطة الموروثات الدينية وربما أيضا بسلطة الأعراف والتقاليد. لكن التهكم الساخر لا يقتصر دوره على تورية النقد فقط، بل قد يتحول بأيدي دعاة الحرية الى سلاح للمقاومة والتحدي والاستهانة بسلطان القادرين وتعريتهم، خصوصا في أزمنة الانحطاط الفكري والتخلف الحضاري. ولعل التهكم هو الطريق الأكثر أمانا والأسرع وصولا للنفوس اذ تتعطش الجماهير له وتتقبله بسهولة

ورغم انتشار فن الفكاهة والتهكم وسط المجتمعات العربية منذ عقود، الا أنه تجلى مؤخرا وبوضوح أكثر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ورأت هذه المجتمعات في السخرية من أوضاعها ملاذا مؤقتا من أوجاع مشاعر السخط والاحباط، فأقسى أنواع الضحك هو ذاك الذي نضحك فيه من أنفسنا. وبطبيعة الحال، لم يكن المجتمع السعودي المتحفظ بطبعه بدعاً من غيره من المجتمعات العربية، ومن يراقب هاشتاقات أو وسوم السعوديين يجدها في غالبها تميل للفكاهة والسخرية

 أحد أجمل الوسوم التي لفتت انتباهي في هذا السياق، كان الوسم المعنون بـ (#مملكة_النساء ) والذي حوى سخرية لاذعة وجريئة من أوضاع النساء في مجتمع لا زال يرزح تحت طائلة السلطة الذكورية المدعومة دينيا وسياسيا، ويتخيل المغردون في هذا الوسم تحوّل السعودية الى مملكة تحكمها النساء، وبالتالي يفترضون الأدبيات التي كانت ستسود الثقافة الاجتماعية في مملكة النساء، والأخبار التي كانت ستتصدر وسائل الاعلام فيها. ولأنني أؤمن بأن الفكاهة فضيلة وأن السخرية طريق معبّد للتحرر، فتقبلوا مشاركتي لكم بعض هذه التغريدات الفكاهية لنضحك ونبكي معاً من أوجاعنا


























الأحد، 12 أغسطس 2012

شكّكوا .. لتتحرروا


من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ظل في متاهات العمى   *حجة الاسلام الامام أبو حامد الغزالي



لطالما استوقفني الحديث النبوي الشريف (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودّانه أو ينصّرانه أو يمّجسانه) وهم بطبيعة الحال يؤسلمانه فينشأ المرء منّا سلفيا أو شيعيا أو زيديا أو صوفيا، بحسب ما يتربى عليه ويرثه عن أجداده وفقهائه، وبالتالي تحوّل الاسلام الى ايديولوجيا دينية أخرى. لكن المعنى الذي يمنحه الحديث النبوي لاسلام الفطرة ينسف التصوّر لمفهوم الاسلام اليوم، فالاسلام  الاصل هو الفطرة قبل أن تتحول لأيديولوجيا متوارثة .. وأن تكون على الفطرة يعني ان تغتسل سبعاً بفهم انساني حر من كل ما أنتجته المنظومة التقليدية تشريعيا وأورثتك ايّاه 

 هكذا فهمت "الاسلام"، أن تكون "مسلماً" - في تصوري- منحة سهلة يمنحها لك أبواك بنفس سهولة أن يولد اليهودي "يهوديا" أو ينشأ النصراني "نصرانيا"، لكن هل كونك ولدت "مسلما" يعني بالضرورة أنك انتميت للاسلام؟! وهل يمكن لجوهر الاسلام الأصل ان يورّث كما تورّث العادات والتقاليد والايديولوجيات؟؟

وكيف لي أن أعرف أنا المسلم الذي انتمي لطائفة معينة بأنني على حق دون سائر المسلمين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ودون سائر الأديان السماوية منها والأرضية؟! كلهم يظن أنه على حق .. وكلهم له من النصوص الدينية ما يدعم أقواله .. وكلهم يتعايش مع معتقده برضا فمن منّا على حق؟؟ وهل يمكن للحق ان يتعدد فنتساوى فيه كلنا؟؟

تساؤلات كهذه تقود لا محالة الى الشك ، وبدون هذا الشك لا يملك الانسان سوى موروثاته التي يحاول ان يرفعها الى  مرتبة اليقين عبثا، اذ أن اليقين لن يأتي الا بعد التيقن من حقائقك، والتيقن لا وصول اليه بدون شك. ولعل ديكارت هو أفضل من عبّر عن هذا المعنى حين شبّه العقل البشري بسلة التفاح التي تحوي التفاح الصالح والفاسد، والطريقة الوحيدة لتنقية التفاح هي عبر افراغ السلة، فنستبعد التفاح الفاسد ونبقي على الصالح. وكذلك العقل البشري يحتاج الى فحص كل ما يمتلئ به من مفاهيم وتصورات وافكار موروثة، فنقبل الصحيح منها ونرفض الخاطئ. واذا كان ديكارت قد توصل الى اليقين من خلال الشك، فقد فعلها الامام الغزالي قبله الذي أمضى شطرا طويلا من حياته باحثا عن الحقيقة الدينية، وكذلك فعل الدكتور مصطفى محمود الذي صاح ذات يوم بعد أن تجاوز شكوكه الى رحاب اليقين: لقد عرفت الله

لا عجب في أن يحارب الفكر الديني المؤدلج أي محاولات لاستخدام العقل والتساؤل، فيعمد الى تشويه قيمة الشك وتصويرها كصفة ذميمة وخطيئة، بل وربما قيل أنها مؤامرة تستهدف الاسلام. فالشك يؤدي الى التفكير، والتفكير قطعاً سيقود الى طرح أسئلة تفتح نوافذ جديدة للناس، وقد تكون هذه الأسئلة محرجة للسلطة الدينية المؤدلجة والقائمة على "احتكار الحق " وربما أدت بها للانهيار، وهذا ما لن يسمحوا به أبدا. وهم وان زعموا ذلك فان الاسلام - الذي يريدون احتكاره والحديث باسمه دون سواهم - لم يجرّم الشك أو التساؤل، بل نجد في القرآن دعوة عقلية وتأملية تدعو الى تبني الاسلام عقلا وارادة لا لمجرد التوارث والتقليد

"نحن أولى بالشك من ابراهيم" بهذه العبارة علّق المصطفى عليه السلام على سؤال سيدنا ابراهيم عليه السلام لربه أن يريه كيفية احياء الموتى، فسأله الله عز وجل " ألم تؤمن؟" فأجاب سيدنا ابراهيم "بلى ولكن ليطمئن قلبي ". وبرغم وضوح حديث المصطفى ووجوده في صحيح البخاري، فان الفكر الديني لا يتقبل الا تأويله لنفي احتمالية الدعوة الى الشك

الشك ليس الطريق الأمثل لليقين فحسب، بل هو أيضا الطريق الأمثل للانسان الحر للانعتاق من أوثان التصورات والمفاهيم المسبقة التي يتربى عليها في بيئته، لهذا أقولها بجرأة شكّكوا لتتحرروا، وتأكدوا من أن الحق لا يندحر أمام الباطل، فاذا ما اندحر ما كنّا نتصوره حقاً فلا شك أن فيه شئٌ من الضعف تجعله لا يرقى الى مرتبة الحق






الاثنين، 21 مايو 2012

باب ما جاء في أن (نصرة الله) تبرّر الوسيلة مهما كانت


 خفتت الضجة التي أحدثتها التغريدة المكذوبة والمنسوبة للاستاذة حصة آل الشيخ، وبقيت الدروس والعبر التي تركتها لنا تلك الضجة. واذا كان الانسان يتعلم من المواقف والاحداث الواقعية التي يعايشها أكثر مما يتعلم من الكتب والمناهج النظرية الصمّاء، فان قيمة هذه المواقف والدروس المستنبطة من حادثة حصة آل الشيخ تزداد اذا كان المعلمون هم نخبة من فضلاء ومشاهير الساحة الدينية والثقافية

تعلمت من تلك الضجة أن تقديم حسن الظن والتريث والتثبت قبل اطلاق الأحكام، هي فضائل يحث عليها الاسلام في نصوص كثيرة، ولكنها تكون (غير ملزمة) اذا كانت الغاية المزعومة هي نصرة الله عز وجل. وفي سبيل هذه الغاية العظيمة لا يهم كثيرا أن نتثبت أو نتريث قبل الحكم بتكفير المعيّن وردته والتشهير به وتجييش الراي العام ضده





تعلمت أن المسارعة في التكفير هي ابراء للذمّة أولا، لا بد وان يسبق المطالبة بالمحاكمة الشرعية، ولا ندري ما عسى أن تحكم به هذه المحكمة الفقيرة الى الله وقد سبقها القوم في اصدار احكام التكفير والردة بل والمطالبة بقتل المرتد المعيّن بزعمه. وما على القاضي الا ان يبصم على ما سبق والا فقد يناله بعض ما نال المفتي من مزاعم بالمحاباة أو التقاعس عن نصرة الذات الالهية



وبرغم أن الاسلام أتى بمكارم الاخلاق ونهى عن فاحش القول وسئ اللفظ، الا أن هناك استثناء يتعلق بغاية نصرة الله عز وجل. حينها يجوز رمي المعيّن باسمه الصريح، والذي لم يثبت عليه القول المسئ، بالفسق والوضاعة وغيرها من الالفاظ. فلا عتب على بعض من يظنون أنهم يدافعون عن الدين بالتعليقات البذيئة في تويتر واليوتيوب والمنتديات، لأنهم بكل بساطة سبقوني الى تعلّم هذا الدرس القيّم من شيوخنا الأفاضل وسارعوا بتطبيقه



تعلمت ايضا أن اظهار الفرحة والشماتة جائز في سبيل نصرته جلّ في علاه


وأن استعداء الرأي العام واستنهاض همم الناس ضد السلطة السياسية، وأحيانا ضد السلطة الدينية ( متمثلة في سماحة المفتي)، في سبيل نصرة الله مما يتقرب به اليه عز وجل، خصوصا اذا لوحظ تريث أو ترويّ السلطات في معالجة القضية



ومما تعلمته أيضا أن النيل من أسرة فاضلة عريقة لها مكانتها، بسبب تغريدة مكذوبة نسبت لأحد أفرادها يجوز في سبيل الغاية الأعظم: نصرة الله عز وجل



لكن الدرس الأكثر قيمة كان على يد سماحة المفتي نفسه، فقد جسّد تصريحه المعتدل ما جاء به المصطفى عليه السلام من سماحة ورفق وحكمة، ورأينا عدل الاسلام في دعوة سماحته للتثبت والتريث وللأخذ بيد المسلم المخطئ ومناصحته والتماس العذر له، واذا ثبت على خطأه فتعزيره دون تشهير به أو تجريح له ولأسرته. وبالرغم أن كلام المفتي الذي يتعالى على فوضى التحريض والتجييش برّد قلوبنا، الا أن غياب هذه اللغة المعتدلة في قضية حمزة كشغري، والذي قضى -حتى الآن- أكثر من مئة يوم خلف القضبان دونما محاكمة عادلة أو استتابة، ورّث في نفوس الكثيرين - بنفس قدر الفرحة بهذا الموقف المتسامح- حسرة على ذاك النحيل اليافع



أختم تدوينتي باقتباسين من مقال للاستاذة حصة آل الشيخ نشر قبل عدة اشهر في جريدة الرياض بعنوان: أبواب الرحمة .. المشرعة .. المغلقة

في أجواء الكره نتحامل على الحق ونستدل بالباطل ونتنكب عن الحقيقة ونغشى طرق البغي والجهل، ولن تهنأ نفوس بغت الانتقام الا ان تبرد غلّها بالخبث، وليس يقابل منهج الله خبث كتقديم الكره على المحبة

 الكارهون لو بيدهم لنزعوا من التاريخ صفحات التسامح، وقنطوا المرء من رحمة ربه، فللدين قدرة للدفاع عن نفسه بالمنطق والحجة، وليس بالهمجية والعنف، ولن يرفع الدين الا لغة الله التي ذكّر بها نبيه بقوله تعالى "فاصفح الصفح الجميل" 

الجمعة، 23 مارس 2012

السلفيون في مواجهة القضايا الكبرى - سلفيو مصر أنموذجا


بالرغم من أن المجموع الحضاري الغابر للمسلمين كان نتاج السلف الصالح الذين خرج منهم علماء أفذاذ وفلاسفة وأطباء ومفكرين وفقهاء مجددين، الا أن سلفية عصرنا المتأخرين لم يشابهوا سلفهم في التجدد والابداع واكتفوا بأن يكونوا سجناء نقولات وتفاسير الموتى من السلف، فسيطر النقل والتوقيف وبقية أدوات الخطاب الديني الوعظي على جميع مناحي حياتنا، وتلا هذا الجمود الاهتمام بصغائر الأمور وتوافهها على حساب ما هو أهم

ولأن العقلية السلفية المتأخرة التي تكونت عبر قرون الهزيمة والتخلف، شاركت وتحت وطأة قمع السياسي في مخططات تخدير الشعوب واشغالها بالقشور والشكليات طاعةً لولاة الأمر الذين حددوا لهم ملاعبهم ورسموا الخطوط الحمراء الممنوع تجاوزها، فقد فرخت لنا -هذه العقلية- مع مرور الزمان أجيال وأجيال من وعاظ السلفية المعاصرة الذين أصبح الناس يميزونهم بمسمى "شيوخ الحيض والنفاس" لانحصار فتاويهم عادة حول المرأة وخصوصياتها ولباسها وكل ما يتعلق بها. هؤلاء السلفيون لا يجيدون اللعب خارج الاطار الذي حدد لهم من قبل، لهذا كان أداءهم مخزيا بعد ان تفجرت براكين الربيع العربي، واستمر تعلقهم بثقافة القشور حتى بعد أن مكّنهم الله من السلطة واستطاعوا بفضل الله الوصول الى بعض البرلمانات العربية المنكوبة

نتيجة لذلك، نجد أن برلمان الثورة في مصر يتحول الى نكتة سياسية مستمرة بسبب القشوريين من نوابه، وبدلا من الانشغال بالقضايا العاجلة التي تواجه مصر في مرحلة حرجة سياسيا يتسلى النواب السلفيون باشباع ادمانهم لاثارة قضايا هامشية جانبية وجرجرة الشريعة من شكلها واقحامها في هذه الهوامش بشكل فج، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دماء الثوار الذين قتلوا في اشتباكات مع العسكر وزج بالمئات منهم في السجون وقدّم آخرون لمحاكمات عسكرية، يقدم نائب سلفي في برلمان يفترض انه صوت الثورة وبرلمانها مشروع طلب إحاطة عاجل لرئيس مجلس الشعب لحجب المواقع الإباحية من شبكات الإنترنت بمصر، وبينما يعجز هؤلاء النواب - كما ذكر الدكتور عمرو حمزاوي في احدى مقالاته - عن فرض مناقشة  قضايا ساخنة كالاعلان الدستوري الذي صاغه العسكر أو الضغط على الحكومة والمجلس العسكري لاستعادة أموال مبارك المجمدة في الخارج والتي قيل أنها تصل الى 11 مليار دولار، لا يجد النائب السلفي حرجا من تضخيم كلمة (حمار) التي وجهها النائب الشاب زياد العليمي للمشير فيطالب بتحويله لجلسة تحقيق وينشغل به ويشغل العامة والدولة والحكومة معه ويعزف على وتر خطابه الوعظي البكائي عن رفض اهانة رموز الدولة (ولاة الأمر الجدد) وعن وجوب اعتذار العليمي لسيادة وجلالة وفخامة وقداسة المشير طنطاوي، ولعدة جلسات تحظى كلمة (حمار) التي صدرت عفوية باهتمام برلمان الثورة في حين تهمل قضايا أهم


ولأن النائب السلفي يعجز عن التخلص من الارث الثقيل لثقافة القشور والاهتمام بالقضايا الجانبية، فما ان تهدأ معركة (الحمار) حتى يبادر في البحث عن جدلية أخرى تشغله، ويجد ضالته هذه المرة في دقيقة الحداد على روح البابا شنودة قبل بدء احدى الجلسات البرلمانية،  فعوضا عن مرور سريع لدقيقة واحدة، يضيع حضرةالنائب السلفي دقائق ودقائق لا حصر لها وهو يحتج على هذه (الدقيقة)، وعندما يغلبه رئيس البرلمان -الاخواني بالمناسبة- ويفرض الدقيقة رغما عنه لا يجد مفرا من الهروب من القاعة احتجاجا، وكالعادة تجرجر الشريعة من قفاها ويبرر السلفيون فعلتهم فيما بعد بأن (دقيقة الحداد) لا أصل لها في الشريعة

هكذا يعود المجتمع للانشغال بما أشغلهم به نواب القشور وتدور الحوارات البيزنطية وتبتذل الشريعة وهي تجرجر يمنة ويسرة من اجل عيون (الدقيقة)، كلٌ يدعي وصلا بها ويحاول جعلها في صفه والاستدلال بها لتدعيم موقفه. لكن المشهد الاشهر الذي سيدخل به برلمان الثورة المصرية التاريخ من بين مشاهد ومواقف وجلسات كثيرة هو مشهد ذاك النائب السلفي وهو ينهض في وسط الجلسة ليقطع النقاشات برفع آذان صلاة الظهر دون أن يأبه لاعتراض رئيس البرلمان الاخواني فيبادره الأخير بعد أن فاض به الكيل بالعبارة الشهيرة: يا أخ.. يا أخ لست أكثر منا ايمانا فلا تزايد علينا




هذا هو حال العقلية السلفية اذا تمكّنت ومنّ الله عليهم بدخول السياسة والبرلمانات، فارث العقود الماضية من احتراف الاستغراق في صغائر الأمور والاعراض عن كبائرها يصعب التخلص منه بين ليلة وضحاها. الغريب أن تجد بعض السلفيين يسوقون الحجج لتبرير اهتمامهم بالشكليات والقشور، فقد لفت انتباهي قبل فترة مقال طويل عميق للشيخ سليم بن عيد الهلالي بعنوان "الدين قشر ولباب"، والمقال في مجمله عجيب وفي تفاصيله أعجب، اذ يقول الشيخ أنه "لا يوجد في الدين قشرٌ ولباب بل كله مهم، وحتى لو كان هناك قشر ولباب في الدين فان اللباب لا يحفظ الا بالقشر، والا لفسد اللباب". ثم يمضي الشيخ في ايراد اقوال وأحاديث يستدل بها على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم أيضا بـ"القشور" وحزمهم في مسائلها دون أن يثنيهم ذلك عن الخوض في "اللباب". وبذلك يسطّر شيوخ الحيض والنفاس فصلا جديدا في مرمطة الشريعة انتصارا لفكرهم الهامشي

بل انهم باتوا يعدّونها مفخرة يرفعون بها الرأس عاليا، وكان الشيخ السلفي الحويني قد سرد مآخذه على مفتي الجمهورية د. علي جمعة عقب خلافهما الشهير فذكر من ضمنها: "والرجل لم يتكلم يوما في اولويات المواطن العادي كالنقاب وحرمة التبرج ولم يؤلف كتابا واحدا حول هذه الموضوعات". هنا يتوصل الشيخ الحويني الى نتيجة منطقية لطيفة وهي أن هذه الشكليات ما دامت تشكّل اهتماماته فلابد وأنها ضمن اولويات المسلم العادي الذي لا تثنيه مشاغل الحياة والبحث عن لقمة العيش من وضع "النقاب" و"التبرج" و"السفور" في قائمة أولوياته

والى أن يتخلص السلفيون من ارث عميق الجذور في الاهتمام بالقشور والشكليات ستظل الشريعة تجرجر ونحن معها نجرجر في جدالات بيرنطية لا تقيم نهضة ولا تبني حضارة