الثلاثاء، 19 مارس 2013

خطابات المشايخ .. والاصلاح المنشود



تحذير
اذا كنت ممن يرفعون شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، وترى أنه ينبغي علينا أن نكون يداً واحدة ما دام الهدف واحدا، وأن أي خطاب ينتقد الداخلية أو يطالب بتحسين الأوضاع يمثلك .. فلعلك تفضل أن تتوقف عن القراءة عند هذا الحد، لأن هذه التدوينة ليست موجهة لك
*                         *                           *                                      
    
في الأيام الماضية وجه الشيخ سلمان العودة خطابه المفتوح للداخلية، والذي كان قد وعد به قبلها بفترة. وتلاه الشيخ عوض القرني الذي قرر نشر خطاب كان سبق وأرسله الى ولي العهد الأمير نايف قبل سنتين. ثم ظهر الشيخ ناصر العمر على قناة المجد ليتحدث عن خطاب مناصحة وقّعه 70 شخصا قبل عشر سنوات غابرات مغبرات، وتم ارساله للديوان الملكي ولولي العهد ووزير الداخلية وأمير الرياض، ويناقش هذا الخطاب كما يذكر العمر اشكاليات تتعلق بـ 14 ملف منها -على سبيل المثال- القضاء الشرعي والأسرة والمرأة وحقوق الانسان الشرعية والاعلام والثقافة والأمن الفكري 

ركّز خطاب العودة على قضية المعتقلين تعسفيا، وقدّم حلا مؤقتا يناسب السياسي ويوفر عليه الكثير من وجع الرأس الذي سببه له مطالب الاصلاحيين، فقد طالب باغلاق ملف الاعتقال التعسفي والافراج عمن لم تثبت عليهم التهم وتعويضهم، والابقاء على من صدرت ضدهم أحكام شرعية قطعية. وباستثناء اشارته العابرة لاستقلال القضاء وفك ارتباطه بالداخلية، لم يتكلف العودة أي جهد في التركيز على أساس مشكلة الاعتقال التعسفي واكتفى بمعالجة أعراضه 

وبالمقابل، كان خطاب القرني الأقدم زمنا ورؤية أشمل في تناوله لقضايا أكثر، وان كان أخف في لهجته من خطاب العودة، ولعل السبب هو أن الخطاب لم يكن معداً لنشره أمام الرأي العام بعكس خطاب العودة. اكتفى الخطاب في بعض فقراته بمطالبة السياسي بالنظر في هذا الملف أو ذاك بعد سرد المشكلات، وقدّم في فقرات أخرى بعض الحلول مثل تطوير آليات المشاركة الشعبية السياسية، وكذلك مبادراته فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. كما تحدث عن حقوق المواطنة للشيعة وطالب بدمجهم في المجتمع بدلا من المعالجات الأمنية

القاسم المشترك بين هذه الخطابات، باستثناء خطاب العمر الذي لم أجده منشورا بعد، وبالتالي يتعذر نقد محتواه ومضمونه، هو انخفاض سقف مطالبها، واكتفاءها بذكر المشكلات ثم عرض الحلول التي تناسب السياسي، وتجنب تلمس أسس هذه المشكلات وجذورها، وهي الجذور التي يمكن أن يهدد اجتثاثها بعض صلاحيات السياسي ومكتسباته. هذه الطريقة في عرض الأزمة والحل لا تستفز السياسي، كما أنها تجذب الكثير من أفراد الشعب من غير المؤدلجين أو المسيّسين، وهو ما يمكن ملاحظته من التفاعل الكبير الذي حظي به خطاب العودة مثلا. لكنها على المدى البعيد ستضر بالخطاب الاصلاحي، خاصة مع انجرار الكثيرين بما فيهم بعض الناشطين لمحاولة صبغ هذه الخطابات بصبغة اصلاحية ما دامت تخاطب الداخلية وتطالب بحقوق المعتقلين 

في مقاله "كيف كسب الاصلاح جولته: محاكمة حسم نموذجا"، يذكر عبدالله العودة أن الخطاب الاصلاحي استطاع أن يقدّم اجابات وحلول جذرية للكثير من القضايا التي تشغل الرأي العام. فمشاكل السكن والبطالة مثلا سببها الفساد الاداري والمالي، وهذا الفساد لا يمكن اجتثاثه بدون انتخاب مجلس الشورى والرقابة على المال العام عبر مؤسسات شعبية وعبر السعي لتأسيس دولة الحقوق والمؤسسات. كما ربط حل قضية المعتقلين تعسفيا بمطلب سيادة القانون واستقلال القضاء، وهذه المطالب وغيرها هي التي ترسم معالم مشروع الاصلاح السياسي الذي دفع أصحابه سنوات من أعمارهم في السجون والزنازين المظلمة ثمنا له 

هنا تكمن خطورة اعتبار خطابات المشايخ التي تهيئ الجماهير للقبول بالحلول المؤقتة والسريعة دون تلمس جذور الأزمة جزءا من الخطاب الاصلاحي، خاصة اذا ما ترافقت مع استجابة السياسي لبعض هذه المطالب وهو ما لا أستبعده في الفترة القادمة. فهي من جهة تنفّس عن الاحتقان الشعبي المتراكم، والذي زادت حدته بعد الاعتصامات الأخيرة ومحاكمة حسم. وتخفض سقف مطالبات الحراك الحقوقي والاصلاحي، وتساهم في تبديد الزخم الذي بدأت تحظى به هذه المطالبات من جهة أخرى

خطاب العودة ومناصحات القرني والعمر وغيرهم كلها جهود لتحريك المياه الراكدة تذكر فتشكر، لكنها ليست خطابات اصلاحية، ولا ينبغي أن يتم تصويرها كذلك كي لا نقبل بسقف أضيق من طموحاتنا ومطالبنا ونعود لمرحلة كنا قد تجاوزناها. وكما قال سطام الرويس "هناك فرق بين أن يمثلك خطاب العودة وبين أن تنضوي تحت خطاب الحامد .. ولا يمكن أن تضع قدما هنا وأخرى هناك"

السبت، 1 ديسمبر 2012

في انصاف الصحوة

بتّ اؤمن في الفترة الأخيرة، أكثر من أي وقتٍ مضى، بأنه لا سبيل للخروج من الدائرة المفرغة التي يحبسنا داخلها صراع التيارات المستمر، وسعيها المحموم للانتصار للذوات وتحقيق المكاسب الحزبية ولو على حساب المصلحة العامة، الا بمراجعة جادة تنسف الأوهام والمغالطات التي تحيط ببعض تصوراتنا عن التحولات التي مرّ بها المجتمع في تاريخه الحديث

في حقبة الثمانينات، مرّ المجتمع السعودي بأحد أهم وأخصب التحولات التي ساهمت في تشكيل وعيه في مرحلة مهمة، وتركت أثرها في كل مناحي حياته، وتزامن ذلك مع نشوء ما سمي بالصحوة الاسلامية. يرى ستيفان لاكروا في كتابه "زمن الصحوة" أن ذكاء الصحوة يكمن في قدرتها على هز الوعي المجتمعي بشكل يكاد يكون جذريا، وتكوينها لحركة فكرية -اجتماعية، اعتمادا على مؤسسات الدولة نفسها خصوصا في قطاع التعليم. وقد استطاعت في فترة قصيرة أن تصبح عنصرا محوريا في النسيج الاجتماعي السعودي

وقبل أن أدخل في الحديث عن الصحوة ، أود أن اشير الى حالة الجمود والتبلد الذي أصاب المشهد الفكري والذي أعاق النمو الحضاري للمجتمع، بل لعل السعودية تعدّ البلد الوحيد في العالم، الذي لا زالت صراعات التسعينات تتكرر فيه بذات زخمها. ولفترة طويلة ارتضى الكثير من أطراف الصراع من النخب الدينية والتحديثية اعادة تمثيل أدوارهم وعدم مراوحة أماكنهم أو تطوير رؤاهم في تناول ذات القضايا والمسائل، خاصة مسائل المرأة والتعليم والحريات وغيرها. وان جزمنا بحدوث نقلة أو تطور في طرح بعض هذه القضايا، كتحول النقاش حول قيادة المرأة للسيارة من منظور ديني يقضي بتحريمه الى منظور اجتماعي يحذر من آثاره السلبية على المجتمع، الا أن مثل هذه التغيرات في الطرح تظل بسيطة بحيث تقصر عن حسم الجدل، ناهيك عن تهيئة الوعي المجتمعي الكافي الذي يحرر القضية من تداولها بأدوات الصراع القديمة ذاتها

واذا كان الفكر السلفي التقليدي قد شهد عدة محاولات وقراءات نقدية جادة من داخل التيار نفسه، كان أبرزها على يد ما سمي بالخطاب الاصلاحي أو التنويري والذي تصدى له باحثون شرعيون على قدر من التمكن من أمثال عبدالله المالكي ورائد السمهوري وسليمان الضحيان، فانني أستغرب أن المشروع الفكري الليبرالي لم يحظى بفرصة مماثلة، مع أنه الاشد حاجة للاصلاح خاصة وهو يحمل بذور هدمه بداخله

وعودة الى تيار الصحوة، فقد اعتدنا أن يلقي المثقفون والمتصدرون للاعلام الليبرالي باللائمة على الصحوة حين الحديث عن الظواهر السلبية المعيقة للحداثة أو المستغرقة في التخلف. والحقيقة ان هذا الاتهام يعدّ جائرا حين يطلق على عواهنه بهذا الشكل، وهو محاولة تبريرية لتحرير المثقف من تحمل مسؤولية التنوير الاجتماعي. وتظل الحقيقة المرّة التي يحاول هذا المثقف الهروب من مواجهتها عبر اتهامه للصحوة بالتخلف، هي فشله في تقديم وصناعة خطاب تنويري تطويري مميز لا يصادم قيم المجتمع. بغض النظر عن موقفي الشخصي من الصحوة، أعترف بأنها نجحت في تقديم مشروع فكري أعمق واقوى تأثيرا على المجتمع من أي خطاب محلي أو خارجي، وكان لها ايجابياتها في عدد من النواحي الذي لا يحب الاعلام الليبرالي التطرق اليها منها:

أ- التعامل مع العادات والتقاليد

برغم تضخيم المثقف الليبرالي لحكاية "خلط  العادات والتقاليد بالاسلام"، وتلبيس هذه التهمة للصحوة كوسيلة لتمرير أطروحاته وأفكاره بذريعة أنه يسعى "لفصل العادات والتقاليد عن الاسلام الحقيقي". الا أنه لا يمكننا انكار حقيقة أن التيار المحافظ وقف في بداياته ضد العادات والأعراف وحاربها بضراوة حين كانت تعارض مفهومه للاسلام، وعمل على ازالتها ونجح في كثير من الجوانب. فنجد مثلا أنه قضى على عادات مجتمعية انتشرت في بعض مناطق المملكة اتسمت بالتساهل سواءً في حجاب المرأة أو اختلاطها بالرجال من اقاربها، وعمل التيار الديني على فرض الانفصال بين الرجل والمرأة، حتى تأثرت تصاميم المنازل والمباني والدوائر الحكومية بهذا الفصل

لا أذكر هذا التغير هنا بصفته ايجابي أو سلبي، بل للدلالة على أن الصحوة لم تترضخ للعادات والتقاليد وواجهتها حين اضطرت لذلك واستطاعت أن تصححها. الغريب أنك تجد المثقف الليبرالي تارةً يتباكى على هذه العادات ويصف الصحوة بتشويه المجتمع، وتارةً أخرى يرميها بخلط الاسلام بالعادات والتقاليد

ب - مواجهة انحراف الشباب

أنتجت الطفرة في الثمانينات حالة من البذخ والرفاهية، كان أحد أكبر سلبياتها التي ظهر فورا على المجتمع هو انحراف الشباب نتيجة توفر المال وأوقات الفراغ التي تم استغلالها بشكل سلبي. وكان للصحوة دور فعال في الأخذ بيد هؤلاء الشباب وتوجيههم واعادة تأهيلهم عبر محاضنها وملتقياتها، بل ان الصحوة سهلت اعادة دمج هؤلاء في المجتمع ووفرت لهم الوظائف فانخرط بعضهم في الهيئة وآخرون في مجال الوعظ، وساهمت في تقبل المجتمع لهم رغم ماضيهم. هذا الجهد الصحوي يستحق الشكر اذ وفرت على الدولة الكثير من الأموال التي كانت ستصرف لاعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع، كما حمت المجتمع من آثارهم السلبية

جـ- المرأة

ورغم أن المرأة اكبر قضية تعاير بها الصحوة اذ يرى البعض أنها ساهمت في شل حركة المرأة وحبسها، الا ان التيار الديني الصحوي قدّم في الحقيقة في بداياته رؤية حضارية لدور المرأة في المجتمع. فلم تعارض الصحوة في الأصل عمل المرأة خارج المنزل كما يردد المثقفون لسنوات حتى تم ترسيخه في وعينا وحتى انطلى الكلام على التيار الديني نفسه الذي بات مؤخرا يردد عبارات يفهم منها رفضه لعمل المرأة دونما حاجة وتفضيل بقاءها في البيت

يشير الكاتب عبدالعزيز الخضر في كتابه "السعودية: سيرة دولة ومجتمع" الى دور الشيخ سلمان العودة الريادي في الثمانينات والتسعينات في تشجيع عمل المرأة حتى أنه قال في أحد خطبه المسجلة يدافع فيها عن موقفه من عمل المرأة: "اننا حين ننصح المتدينات بترك الدراسة أو ترك مجالات العمل فاننا نسمح لفئات أخرى بأن تنمو وتتوغل داخل المجتمع ونضع سداً منيعاً أمام العنصر الوحيد الذي يمكن أن يساهم في تحجيم الشر والفساد"

والحقيقة أن المجتمع السعودي بطبيعته المحافظة في مرحلة ما قبل الصحوة كان ضد عمل المرأة خارج بيتها، لكن تيار الصحوة كان موقفه ايجابيا وغيّر نظرة المجتمع وشجع على عملها في المجالات المعزولة عن الاختلاط، ومشكلة الصحوة مع عمل المرأة لم تكن موقف معارض كما يطرحها التيار الليبرالي بقدر ما كانت مشكلتها في بيئة عمل المرأة وخلوها من الاختلاط

من الظريف أيضا - كما يذكر الكاتب عبدالعزيز الخضر في كتابه - ان الصحوة اقرّت رؤية المخطوبة في خطوة تعتبر تقدمية اذ كان العرف الاجتماعي يقتضي عدم رؤية المخطوبة أبدا

*                  *                *                

أخيرا أقول بأنني أكتب هذه التدوينة لنفسي أولا قبل غيري، ثم لأبناء جيلي (التسعينات وأواخر الثمانينات) ممن تفتح وعيهم بعد بدء تراجع ملامح الصحوة وضعف خطابها خصوصا مع اعتقالات التسعينات لبعض رموزها، ثم ما تلاها من هجمات سبتمبر وبداية ما سمي بالحرب على الارهاب. كل هذه الأحداث صاغت تصوراتنا عن الصحوة -خاصة وأننا لم نعاصرها وهي في أوج شعبيتها- الى أحد اتجاهين: اما المدح والتمجيد المبالغ به واعتبارها طريقة الاسلام الصحيحة ونهج الفرقة الناجية، أو الذمّ الجائر الذي يخلو من أي انصاف أو موضوعية. التصالح مع فترة الصحوة - التي تعد أحد أبرز مراحل التجربة الفكرية السعودية - بكل سلبياتها وايجابياتها سيساعدنا لتفكيك عقلية الصراعات في المجتمع، وتجاوز لغة الاستقطاب الحادة بين التيارات، وادارة خلافاتنا الفكرية بقدر أكبر من النضج والعقلانية





السبت، 27 أكتوبر 2012

قانون التحرش الجنسي .. وصراع التيارات



قبل عدة اشهر قدّم مجلس الشورى السعودي مسودة مشروع لايجاد نظام يحمي المرأة من اضرار التحرش الجنسي، ويقرّ بتحديد عقوبات للمتحرش تشمل الانذار والغرامات المالية الكبيرة وصولا الى الجلد والسجن. فيما بعد تم استبعاد المشروع مع ضم قضية التحرش بالمرأة الى برنامج "الحماية من الايذاء للأسرة"

وكعادة كل المواضيع التي تتعلق بالمرأة، تحول النقاش حول اقرار قانون التحرش الجنسي الى لهيب صراع التيارات المسكون بالتعصب وسوء النية والحرص على الانتصار للذوات على حساب المصلحة العامة. وان كان موقف المحافظين ورفضهم للقانون باعتباره ضمن الاجندة التغريبية للمجتمع عجيبا وغير مفهوم، فالأعجب منه استبشار الليبراليين وترحيبهم المبالغ فيه واعتبار القانون انتصارا لهم ولفكرهم. وفي هذا الجو المتأزم تضيع الحقائق وسط المبالغات التي تتجاوز حدود المنطق والعقل، والتي يلجأ اليها كل فريق لدعم موقفه.

السؤال الحقيقي الذي من المفترض أن يطرح قبل الدخول في معمعة الجدل هو: هل يوجد تحرش جنسي في السعودية؟

والاجابة هي نعم بالتأكيد، قد نتجادل حول ما اذا كانت ظاهرة أو أزمة تهدد المجتمع، وقد يتعذر الاستشهاد بنسب دقيقة كما يحدث في الدول المتقدمة لعدة أسباب منها أن معظم خطايانا في الظلام لغياب الاحصائيات الموثوقة ولجوء ضحايا التحرش في العديد من الحالات الى الصمت واحجامها عن التبليغ أو التقدم بالشكوى لأسباب في غالبها اجتماعية. ومع ذلك فلا يمكن لأحد ان يزعم "ملائكية" المجتمع أو ينفي وجود التحرش، وحتى اولئك المحافظين الذين يرفضون قانون التحرش بحجة أنه لا توجد ضرورة له، هم أنفسهم من سيحدثونك عن الذئاب البشرية وأصحاب القلوب المريضة لو انتقل النقاش للحديث عن دور الهيئة. اذاً يمكن أن نسلم بأن الطرفين يقرّان بوجود حالات التحرش الجنسي في المجتمع بكل درجاته وأنواعه.

مشكلة المعارضين للقانون من المتحفظين أنهم نظروا اليه من منطلق صراعهم الأزلي مع التيار الليبرالي، وبالتالي فهم لم يفهموا القانون من حيث دوافعه ونتائجه، بل تعاملوا معه وفهموه على أنه مشروع تغريبي وأنه يهدف لتشريع الاختلاط وتقنينه كما عبّرت الدكتورة نورة السعد في رسالتها الى مجلس الشورى التي تطالبهم فيه بالغاء نقاش القانون وعدم اقراره. واذا تفهمنا أسباب اعتراض المحافظين ومخاوفهم، فاننا لم نفهم بعد الحل البديل الذي يقدّمونه للحدّ من حالات التحرش، بدلا من تركها تسبح في العموميات وتخضع لمزاج القاضي واجتهاداته. فلم تعد عبارة "تطبيق الشريعة" المستهلكة الفضفاضة تفي بالغرض، خصوصا اذا علمنا أن مفهومهم لتطبيق الشريعة هو منع المرأة من الاختلاط في بيئات العمل وحبسها في البيت كي لا تتعرض للتحرش، في تجاهل تام لحقيقة أن التحرش بات موجودا في كل مكان، في الاسواق والمستشفيات والشوارع وفي الحرم، بل حتى بعض البيوت لم تخلو من حالات تحرش المحارم. وبالتالي يتناسى هؤلاء أن غاية تطبيق الشريعة هو تحقيق المصلحة التي تساير حياة الناس لاالتصادم مع بديهيات واقعهم ومتغيراته، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار سنّ القوانين "الوضعية " التي تحمي المجتمع ضد المصلحة العامة.

وبالنظر من زاوية أخرى نجد أن فرض قوانين وأنظمة مدنية واضحة تحكم المجتمع وتردع المتحرش لن يتوقف تأثيرها على تعزيز الأمان وتهذيب التعاملات بين الناس فقط، بل سيمنح المرأة حق التعبير عن كيانها كفرد مكلف ومسؤول ومحاسبة كل من يتعدى عليها بالمضايقات أو الانتهاكات، وسيلغي تدريجيا ذهنية لوم الضحية السائدة في المجتمع والتي تفترض أن من تتعرض للتحرش تستحقه لأنها خرجت من منزلها أو لأنها لم تلتزم بالحجاب الكامل الخ. مما يعني أن السبب الحقيقي وراء تذمر المحافظين من سنّ مثل هذه القوانين، هي معرفتهم بأنها ستفقدهم مبررات تسلطهم على خلق الله بدعوى حماية الفضيلة، وتنهي ثنائية الذئب البشري/الفريسة التي تكّسب منها الخطاب الديني المحافظ ردحاً من الزمن، خصوصا حين يظهر تهافتها بالتزام الشاب السعودي بذات القوانين التي يلتزم بها حين يكون في دبي أو لندن والتي تجعله يخشى ان يرفع بصره لأي امرأة  تمر أمامه ناهيك عن التلفظ عليها خوفا من أن تتهمه بالتحرش بها وتعرّضه لعقوبات هو في غنى عنها

بقي أن أشير الى أن قانون التحرش الجنسي لن يكون الحل الجذري لسوء الخلق ولن يساعد في تغيير النفوس القبيحة، تماماً بنفس الطريقة التي لم يكن بها الوعظ الديني والوجداني وحده كفيلا بتنظيم العلاقات بين الناس، والمطالبة باتخاذ التدابير القانونية لا يعني بالضرورة الدعوة للتخلي عن الأساليب التي تهدف لتقويم سلوك الفرد سواءً بالتنشئة الدينية أو الوعظ الأخلاقي وغيره

:روابط أخرى 

http://whymecampn.blogspot.com/2012/10/re-publish.html

http://voicesofyoungsaudisoftheng.blogspot.com/2012/10/blog-post.html?utm_source=twitterfeed&utm_medium=twitter


الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

مملكة النساء .. حيث لا حول ولا قوة للرجال

حكمة: خير لنا أن نضحك على النائبة من أن نبكي منها      

عُرف فن التهكم والسخرية كوسيلة لتوجيه النقد، خاصة في ظل الأوضاع التي يكون فيها النقد مكبوتا بحواجز من السلطة المادية والمعنوية كما هو الحال في مجتمعاتنا، اذ يستحيل أن تنتقد بجرأة دون أن تصطدم بسلطة الحكومة أو سلطة الموروثات الدينية وربما أيضا بسلطة الأعراف والتقاليد. لكن التهكم الساخر لا يقتصر دوره على تورية النقد فقط، بل قد يتحول بأيدي دعاة الحرية الى سلاح للمقاومة والتحدي والاستهانة بسلطان القادرين وتعريتهم، خصوصا في أزمنة الانحطاط الفكري والتخلف الحضاري. ولعل التهكم هو الطريق الأكثر أمانا والأسرع وصولا للنفوس اذ تتعطش الجماهير له وتتقبله بسهولة

ورغم انتشار فن الفكاهة والتهكم وسط المجتمعات العربية منذ عقود، الا أنه تجلى مؤخرا وبوضوح أكثر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ورأت هذه المجتمعات في السخرية من أوضاعها ملاذا مؤقتا من أوجاع مشاعر السخط والاحباط، فأقسى أنواع الضحك هو ذاك الذي نضحك فيه من أنفسنا. وبطبيعة الحال، لم يكن المجتمع السعودي المتحفظ بطبعه بدعاً من غيره من المجتمعات العربية، ومن يراقب هاشتاقات أو وسوم السعوديين يجدها في غالبها تميل للفكاهة والسخرية

 أحد أجمل الوسوم التي لفتت انتباهي في هذا السياق، كان الوسم المعنون بـ (#مملكة_النساء ) والذي حوى سخرية لاذعة وجريئة من أوضاع النساء في مجتمع لا زال يرزح تحت طائلة السلطة الذكورية المدعومة دينيا وسياسيا، ويتخيل المغردون في هذا الوسم تحوّل السعودية الى مملكة تحكمها النساء، وبالتالي يفترضون الأدبيات التي كانت ستسود الثقافة الاجتماعية في مملكة النساء، والأخبار التي كانت ستتصدر وسائل الاعلام فيها. ولأنني أؤمن بأن الفكاهة فضيلة وأن السخرية طريق معبّد للتحرر، فتقبلوا مشاركتي لكم بعض هذه التغريدات الفكاهية لنضحك ونبكي معاً من أوجاعنا


























الأحد، 12 أغسطس 2012

شكّكوا .. لتتحرروا


من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ظل في متاهات العمى   *حجة الاسلام الامام أبو حامد الغزالي



لطالما استوقفني الحديث النبوي الشريف (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودّانه أو ينصّرانه أو يمّجسانه) وهم بطبيعة الحال يؤسلمانه فينشأ المرء منّا سلفيا أو شيعيا أو زيديا أو صوفيا، بحسب ما يتربى عليه ويرثه عن أجداده وفقهائه، وبالتالي تحوّل الاسلام الى ايديولوجيا دينية أخرى. لكن المعنى الذي يمنحه الحديث النبوي لاسلام الفطرة ينسف التصوّر لمفهوم الاسلام اليوم، فالاسلام  الاصل هو الفطرة قبل أن تتحول لأيديولوجيا متوارثة .. وأن تكون على الفطرة يعني ان تغتسل سبعاً بفهم انساني حر من كل ما أنتجته المنظومة التقليدية تشريعيا وأورثتك ايّاه 

 هكذا فهمت "الاسلام"، أن تكون "مسلماً" - في تصوري- منحة سهلة يمنحها لك أبواك بنفس سهولة أن يولد اليهودي "يهوديا" أو ينشأ النصراني "نصرانيا"، لكن هل كونك ولدت "مسلما" يعني بالضرورة أنك انتميت للاسلام؟! وهل يمكن لجوهر الاسلام الأصل ان يورّث كما تورّث العادات والتقاليد والايديولوجيات؟؟

وكيف لي أن أعرف أنا المسلم الذي انتمي لطائفة معينة بأنني على حق دون سائر المسلمين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ودون سائر الأديان السماوية منها والأرضية؟! كلهم يظن أنه على حق .. وكلهم له من النصوص الدينية ما يدعم أقواله .. وكلهم يتعايش مع معتقده برضا فمن منّا على حق؟؟ وهل يمكن للحق ان يتعدد فنتساوى فيه كلنا؟؟

تساؤلات كهذه تقود لا محالة الى الشك ، وبدون هذا الشك لا يملك الانسان سوى موروثاته التي يحاول ان يرفعها الى  مرتبة اليقين عبثا، اذ أن اليقين لن يأتي الا بعد التيقن من حقائقك، والتيقن لا وصول اليه بدون شك. ولعل ديكارت هو أفضل من عبّر عن هذا المعنى حين شبّه العقل البشري بسلة التفاح التي تحوي التفاح الصالح والفاسد، والطريقة الوحيدة لتنقية التفاح هي عبر افراغ السلة، فنستبعد التفاح الفاسد ونبقي على الصالح. وكذلك العقل البشري يحتاج الى فحص كل ما يمتلئ به من مفاهيم وتصورات وافكار موروثة، فنقبل الصحيح منها ونرفض الخاطئ. واذا كان ديكارت قد توصل الى اليقين من خلال الشك، فقد فعلها الامام الغزالي قبله الذي أمضى شطرا طويلا من حياته باحثا عن الحقيقة الدينية، وكذلك فعل الدكتور مصطفى محمود الذي صاح ذات يوم بعد أن تجاوز شكوكه الى رحاب اليقين: لقد عرفت الله

لا عجب في أن يحارب الفكر الديني المؤدلج أي محاولات لاستخدام العقل والتساؤل، فيعمد الى تشويه قيمة الشك وتصويرها كصفة ذميمة وخطيئة، بل وربما قيل أنها مؤامرة تستهدف الاسلام. فالشك يؤدي الى التفكير، والتفكير قطعاً سيقود الى طرح أسئلة تفتح نوافذ جديدة للناس، وقد تكون هذه الأسئلة محرجة للسلطة الدينية المؤدلجة والقائمة على "احتكار الحق " وربما أدت بها للانهيار، وهذا ما لن يسمحوا به أبدا. وهم وان زعموا ذلك فان الاسلام - الذي يريدون احتكاره والحديث باسمه دون سواهم - لم يجرّم الشك أو التساؤل، بل نجد في القرآن دعوة عقلية وتأملية تدعو الى تبني الاسلام عقلا وارادة لا لمجرد التوارث والتقليد

"نحن أولى بالشك من ابراهيم" بهذه العبارة علّق المصطفى عليه السلام على سؤال سيدنا ابراهيم عليه السلام لربه أن يريه كيفية احياء الموتى، فسأله الله عز وجل " ألم تؤمن؟" فأجاب سيدنا ابراهيم "بلى ولكن ليطمئن قلبي ". وبرغم وضوح حديث المصطفى ووجوده في صحيح البخاري، فان الفكر الديني لا يتقبل الا تأويله لنفي احتمالية الدعوة الى الشك

الشك ليس الطريق الأمثل لليقين فحسب، بل هو أيضا الطريق الأمثل للانسان الحر للانعتاق من أوثان التصورات والمفاهيم المسبقة التي يتربى عليها في بيئته، لهذا أقولها بجرأة شكّكوا لتتحرروا، وتأكدوا من أن الحق لا يندحر أمام الباطل، فاذا ما اندحر ما كنّا نتصوره حقاً فلا شك أن فيه شئٌ من الضعف تجعله لا يرقى الى مرتبة الحق