الثلاثاء، 21 مايو، 2013

قراءة في كتاب "بالخلاص يا شباب" للمفكر السوري ياسين الحاج صالح




"لقد يئستُ كثيرا وعميقا جدا، وبينما أضحت آمالي قليلة، بتُّ منيعا على اليأس"

بهذه العبارة المقتبسة من الكاتب ابدأ خواطري عن كتابه الذي أهداه الى روح والديه. والدته "التي لم تطق أن يسجن ابنها، ثم ابنان آخران، وماتت ولم يودعوها"، ووالده الذي "لم يتقبل أن أعمل كاتبا، مات وفي نفسه أن يراني أقوم بعمل أكثر هيبة" كما يقول الكاتب.



 عرفتُ ياسين الحاج صالح مفكرا سياسيا من الطراز الثقيل عبر مقالاته التي اعتدت تتبعها في المواقع الالكترونية، وزاد تقديري لما يكتب مع اندلاع الثورة السورية ومواكبته لها بمقالات شبه اسبوعية اعتاد الكثير من الشباب المهتم انتظارها. كانت الفرصة مؤاتية لمثقف ومناضل سياسي قضى سنوات طويلة في السجن الى أن يسارع كغيره من السياسيين والمثقفين لتصدر المشهد الثوري المعقد، والزج بنفسه في اللقاءات والحوارات التلفزيونية، والظهور كأحد قيادات المعارضة أوالمشاركة في الائتلاف الوطني. لكنه اختار أن يبقى "على الهامش" ويتفرغ لتقديم انتاج فكري يواكب الثورة ويناقش ما يتصل بها من مشكلات وقضايا وهو دور وجده - كما يذكر في أحد الحوارات الصحفية- مناسبا له. هكذا يعيش حكيم الثورة السورية الآن في مكان ما داخل سوريا، ووسط الدمار والدماء، يعايش وقائع الثورة من قلب الحدث، ويواصل بشكل شبه اسبوعي نشر تأملاته وأطروحاته النقدية عن الثورة ليساهم بقلمه وفكره في صنع ملامح سوريا جديدة

"في السجن كانت ثورتي ، في السجن تحررت"

في هذا الكتاب تجربة مختلفة عن السجن لم نعتد عليها في الكتابات العربية. الكتاب كما يقول كاتبه "لا يندرج ضمن أدب السجون، ولا هو دراسة اجتماعية، أو سيرة ذاتية، ولا هو بيان حقوقي، بل هو خليط من هذا كله". في هذه التجربة نجد نظرة مختلفة للسجن، نظرة أكثر تصالحا وأكثر حميمية معه، فهو لا يتوانى عن وصف السجن بـ"وطنه" في أماكن كثيرة من الكتاب، وهو الى هذا يتحدث عن الانعتاق الذي منحه له السجن .. انعتاق من الذات ومن العقيدة الأيديولوجية ومن الحزبية ومن المثالية والتصنع ومن كل شئ. في السجن مات ياسين الحاج الشاب اليساري الحزبي الذي اعتقل وهو في العشرين من عمره كي يحيا ياسين الحاج الكهل والمفكر السياسي الذي ألّف هذا الكتاب. بدا ياسين ممتنا لوجوده في السجن الذي أراحه كما يقول من اتخاذ قرارات مصيرية في حياته ومن مواجهة خيبة عاطفية ودراسية كان يعيش بوادرها قبل الاعتقال، بل انه في احدى الفقرات يرى نفسه محظوظا لسجنه وهو ما اعتبره زملاءه السجناء جنونا، واعتبره ياسين نفسه اجابة غير سوية تدلل على تشوهه الداخلي. يبرر ياسين كل هذه الحميمية والتصالح العجيب مع سنوات السجن أنه لا خيار آخر له، فاما أن يتصالح مع التجربة ويرى ايجابياتها ويتقبل سنوات حياته التي سرقت منه كي ينقذ السنوات التي تبقت له، واما أن يعيش ناقما معذبا حاقدا ما بقي من عمره. يساعده على هذه النظرة المتسامحة مع السجن أنه كما اعترف بنفسه أنه لم يعذّب كثيرا ولم يخرج بأذى جسدي دائم ولا بأذى نفسي ظاهر، ويرثي لحال رفاقه مثل هيثم الخوجة وآخرين من الذين لم يكن حظهم مثل حظه، خاصة ممن توفوا بعد فترة قصيرة من خروجهم بسبب التعذيب الذي أصابهم بأمراض مزمنة وترك أثره المميت على أجسادهم

أنصف ياسين النشطاء الاسلاميين الذين شهد ظروف سجنهم بشكل لا يتوقع من يساري مثله معتد بيساريته، وتجرد من أي محاولات للانتصار للنفس أو الفكر وهو يقرّ أنهم كانوا الأكثر تعرضا للاضطهاد ولصنوف الأذى والتعذيب في سجون حافظ الأسد، وتمنى أن يتفرغ بعضهم لكتابة تجاربهم في السجن. ومن الانطباعات التي علقت بذاكرتي ما ذكره الكاتب من أن السجين الاسلامي أو حتى المؤمن بصفة عامة وان لم يكن توجهه الحزبي اسلاميا كان أقدر على تحمل معاناة السجن ومعايشته والنجاة منه، لأنهم يمتلكون مصدر قوة يفتقدها الآخرون -بما فيهم ياسين نفسه- وهذا المصدر هو التدين الروحي. فلا سجان - كما يقول الكاتب يستطيع مهما حاول أن يمنعك من اللجوء الى ايمانك وقت المحن واستمداد القوة من هذا اللجوء. 

قد يكون هذا الكتاب مملا ومخيبا لآمال من يريد أن يقرأ عن خفايا وأسرار السجون الأسدية، ويبحث عن صور المعاناة والألم وحكايات التعذيب. فهذا الكتاب أقرب ما يكون في أغلب صفحاته الى كتاب فلسفي وجودي يصور تجربة ذاتية انسانية بكل انفعالاتها وتحولاتها

يقول ياسين الحاج صالح أن التذكر واستحضار تجربة السجن صعب، وأنه ككل السوريين ينفر من ذلك. لكنه يدرك أيضا أن النسيان ممنوع بل هو خيانة لنفسه ولرفاقه الذين ماتوا في السجن أو بعيد خروجهم منه، وهو خيانة للأمهات والآباء الذين ماتوا وهم ينتظرون الافراج عن ابناءهم، وهو خيانة للسوريين ولسوريا، فملامح تجربة كهذه لابد من أن توثق للأجيال القادمة، ولهذا قرر أن يكتب ويكتب ويكتب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق