الأربعاء، 29 مايو، 2013

قصة وأغنية: منزل الشمس المشرقة





أغنية (منزل الشمس المشرقة) من الفلكلور الأمريكي هي احدى الأغنيات الخالدة في وجدان التاريخ الانساني. حظيت هذه الأغنية بدراسات وأبحاث تاريخية واجتماعية مطولة قلما حظيت بها أغنية أخرى، وأعيد تلحينها وغناءها مرارا وعاشت أكثر من كل من غنوها رغم سوداويتها، واحتلت موضع متقدم ضمن الأغاني المفضلة في كل الأزمنة في تصنيف مجلة رولنج ستونز الشهيرة

كانت بالأصل قصيدة شعبية رائجة في الجنوب الأمريكي، لطالما غنتها النسوة لأبناءهم الصغار بألحان كئيبة تلائم سوداوية كلماتها، لا يعرف كاتبها ولا تاريخ كتابتها، ويقول بعض باحثي الموسيقى ان الأغنية الأصلية تعود للقرن السادس عشر، وهي عن حي سوهو بلندن، وأن المهاجرين الانجليز أتوا بها الى أمريكا حيث تم تغيير بعض كلماتها ولحنها، وأصبحت تحكي عن نيو أورليانز. لكن دراسات أخرى تقول أن الأغنية بالأصل عن نيو أورليانز وان كان لا يعرف لها تاريخ

تم تناقل الأغنية عبر سنوات شفويا بشكل تقليدي، ولعل أقدم تسجيل رسمي وجد لها كان النسخة التي قام بأداءها الموسيقيان الريفيان توم كلارنس آشلي وجوين فوستر عام 1933، وقال توم آشلي أنه تعلم الأغنية في صغره من جده اينوك آشلي

فيما بعد، قام باحث الموسيقى والفلكلور آلان لوماكس مع والده الموسيقي جون ايه لوماكس، والذي كان يعمل آنذاك قيّما على ارشيف الأغاني الشعبية الأمريكية التابعة لمكتبة الكونغرس، بتسجيلها كأغنية فلكلورية. ونظرا لتسجيلها بدون حقوق ملكية فقد تغنى الكثير من الفنانين والفرق الموسيقية بها عبر تاريخها المديد، وممن غناها الفنان الشهير بوب ديلان، وأسطورة الجاز الأمريكي نينا سيمون، وفنانة موسيقى الكونتري الجميلة دوللي بارتون، وصاحبة الصوت الذهبي جودي ميلر، وغنتها في السبيعنيات فرقة غنائية اسمها "سانتا ازميرالدا"، وفي 2002 أعادت فرقة "ميوز" الانجليزية غناءها، لكن أشهر أداء لها كان من غناء فرقة أينمالز في عام 1964، التي أضافت لها بعض التجديد الموسيقي دون أن تفقد اللحن روحه الجنوبية

تحكي كلمات الأغنية قصة انحراف وضياع، ولعل أبسط شرح لها ما ذكره أحد مغنيها من أنها عن (حياة سارت بشكل خاطئ). وقد أقيمت عدد من الدراسات والأبحاث لتحديد موقع (منزل الشمس المشرقة) في نيو أورليانز بولاية لويزيانا، وقيل أن "المنزل" كلمة مخففة استخدمت لوصف مكان تعالج فيه بائعات الهوى والمومسات من مرض الزهري، ولا تخرج الكثيرات منه أحياء. وقيل أنه بالأصل كان بيتا للدعارة تديره امرأة اسمها (لوسولي ليفان) أي (الشمس المشرقة) بالفرنسية. وقيل أيضا أن (منزل الشمس المشرقة) تورية استخدمت لاخفاء هوية سجن شهير بنيو اورليانز وأن الأغنية تروي قصة فتاة قتلت أباها السكير الذي كان يضرب زوجته، وحكم عليها بالسجن المؤبد، وكانت تجلس في زنزانتها تشاهد من نافذتها شروق الشمس كل صباح. يرجح هذه الرواية الصور القديمة للشمس التي كانت ترسم على بوابة سجن النساء في نيو أورليانز، بالاضافة الى عبارة (لأضع الأصفاد من جديد) المذكورة في الأغنية، كما أن هذه الأغنية في الأدبيات التراثية ارتبطت بالنساء اللاتي كن يرددنها دون الرجال، لذا اعُتقد أنها تروي معاناة احداهن. لكن آثار التنقيب في مركز المدينة القديمة في 2005 أثبت وجود دلائل عن فندق كان موجودا في شارع كونتي بالقسم الفرنسي من المدينة، كان مشهورا بفتيات الليل قبل احتراقه عام 1822 م، قيل أن هذا الفندق هو المنزل المذكور في الأغنية التراثية. المؤكد أن (منزل الشمس المشرقة) كان مكانا للفساد والانحراف و(كان سببا في تدمير حياة أكثر من صبي بائس) كما تقول كلمات الأغنية    

 الأغنية الساحرة من أداء فرقة أنيمالز الشهيرة وبصوت الفتى المشاغب اريك بوردون





 ترجمة الأستاذ أحمد خالد توفيق للأغنية الى العربية

ثمة بيت في نيو أورليانز
يسمونه (الشمس المشرقة)
كان سببًا في تدمير حياة أكثر من صبي بائس
يا رباه.. أعرف أنني كنت واحدًا من هؤلاء..
There is a house in New Orleans
They call the Rising Sun
And it's been the ruin of many a poor boy
And God I know I'm one
 أمي كانت خيّاطة
خاطت لي سروالي الجينز الجديد.
وأبي كان مقامرًا
هناك في نيو أورليانز
 My mother was a tailor
She sewed my new bluejeans
My father was a gamblin' man
Down in New Orleans
 الآن كل ما يريده المقامر
هو صندوق ثياب وحقيبة
ولا يشعر بالرضا
إلا عندما يكون ثملاً...
 Now the only thing a gambler needs
Is a suitcase and trunk
And the only time he's satisfied
Is when he's on a drunk
 أيتها الأم
أخبري أطفالك ألا يفعلوا ما فعلت أنا..
لا تقضوا حياتكم في الخطيئة والتعاسة
في بيت الشمس المشرقة
 Oh mother tell your children
Not to do what I have done
Spend your lives in sin and misery
In the House of the Rising Sun
 لقد وضعت قدمًا على رصيف المحطة
والقدم الأخرى داخل القطار..
أنا عائد لنيو أورليانز
لأضع الأصفاد من جديد..
 Well, I got one foot on the platform
The other foot on the train
I'm goin' back to New Orleans
To wear that ball and chain
 ثمة بيت في نيو أورليانز
يسمونه (الشمس المشرقة)
كان سببًا في تدمير حياة أكثر من صبي بائس                                  
وأعرف أنني كنت يا رباه واحدًا من هؤلاء..
 There is a house in New Orleans
They call the Rising Sun
And it's been the ruin of many a poor boy
And God I know I'm on


الثلاثاء، 21 مايو، 2013

قراءة في كتاب "بالخلاص يا شباب" للمفكر السوري ياسين الحاج صالح




"لقد يئستُ كثيرا وعميقا جدا، وبينما أضحت آمالي قليلة، بتُّ منيعا على اليأس"

بهذه العبارة المقتبسة من الكاتب ابدأ خواطري عن كتابه الذي أهداه الى روح والديه. والدته "التي لم تطق أن يسجن ابنها، ثم ابنان آخران، وماتت ولم يودعوها"، ووالده الذي "لم يتقبل أن أعمل كاتبا، مات وفي نفسه أن يراني أقوم بعمل أكثر هيبة" كما يقول الكاتب.



 عرفتُ ياسين الحاج صالح مفكرا سياسيا من الطراز الثقيل عبر مقالاته التي اعتدت تتبعها في المواقع الالكترونية، وزاد تقديري لما يكتب مع اندلاع الثورة السورية ومواكبته لها بمقالات شبه اسبوعية اعتاد الكثير من الشباب المهتم انتظارها. كانت الفرصة مؤاتية لمثقف ومناضل سياسي قضى سنوات طويلة في السجن الى أن يسارع كغيره من السياسيين والمثقفين لتصدر المشهد الثوري المعقد، والزج بنفسه في اللقاءات والحوارات التلفزيونية، والظهور كأحد قيادات المعارضة أوالمشاركة في الائتلاف الوطني. لكنه اختار أن يبقى "على الهامش" ويتفرغ لتقديم انتاج فكري يواكب الثورة ويناقش ما يتصل بها من مشكلات وقضايا وهو دور وجده - كما يذكر في أحد الحوارات الصحفية- مناسبا له. هكذا يعيش حكيم الثورة السورية الآن في مكان ما داخل سوريا، ووسط الدمار والدماء، يعايش وقائع الثورة من قلب الحدث، ويواصل بشكل شبه اسبوعي نشر تأملاته وأطروحاته النقدية عن الثورة ليساهم بقلمه وفكره في صنع ملامح سوريا جديدة

"في السجن كانت ثورتي ، في السجن تحررت"

في هذا الكتاب تجربة مختلفة عن السجن لم نعتد عليها في الكتابات العربية. الكتاب كما يقول كاتبه "لا يندرج ضمن أدب السجون، ولا هو دراسة اجتماعية، أو سيرة ذاتية، ولا هو بيان حقوقي، بل هو خليط من هذا كله". في هذه التجربة نجد نظرة مختلفة للسجن، نظرة أكثر تصالحا وأكثر حميمية معه، فهو لا يتوانى عن وصف السجن بـ"وطنه" في أماكن كثيرة من الكتاب، وهو الى هذا يتحدث عن الانعتاق الذي منحه له السجن .. انعتاق من الذات ومن العقيدة الأيديولوجية ومن الحزبية ومن المثالية والتصنع ومن كل شئ. في السجن مات ياسين الحاج الشاب اليساري الحزبي الذي اعتقل وهو في العشرين من عمره كي يحيا ياسين الحاج الكهل والمفكر السياسي الذي ألّف هذا الكتاب. بدا ياسين ممتنا لوجوده في السجن الذي أراحه كما يقول من اتخاذ قرارات مصيرية في حياته ومن مواجهة خيبة عاطفية ودراسية كان يعيش بوادرها قبل الاعتقال، بل انه في احدى الفقرات يرى نفسه محظوظا لسجنه وهو ما اعتبره زملاءه السجناء جنونا، واعتبره ياسين نفسه اجابة غير سوية تدلل على تشوهه الداخلي. يبرر ياسين كل هذه الحميمية والتصالح العجيب مع سنوات السجن أنه لا خيار آخر له، فاما أن يتصالح مع التجربة ويرى ايجابياتها ويتقبل سنوات حياته التي سرقت منه كي ينقذ السنوات التي تبقت له، واما أن يعيش ناقما معذبا حاقدا ما بقي من عمره. يساعده على هذه النظرة المتسامحة مع السجن أنه كما اعترف بنفسه أنه لم يعذّب كثيرا ولم يخرج بأذى جسدي دائم ولا بأذى نفسي ظاهر، ويرثي لحال رفاقه مثل هيثم الخوجة وآخرين من الذين لم يكن حظهم مثل حظه، خاصة ممن توفوا بعد فترة قصيرة من خروجهم بسبب التعذيب الذي أصابهم بأمراض مزمنة وترك أثره المميت على أجسادهم

أنصف ياسين النشطاء الاسلاميين الذين شهد ظروف سجنهم بشكل لا يتوقع من يساري مثله معتد بيساريته، وتجرد من أي محاولات للانتصار للنفس أو الفكر وهو يقرّ أنهم كانوا الأكثر تعرضا للاضطهاد ولصنوف الأذى والتعذيب في سجون حافظ الأسد، وتمنى أن يتفرغ بعضهم لكتابة تجاربهم في السجن. ومن الانطباعات التي علقت بذاكرتي ما ذكره الكاتب من أن السجين الاسلامي أو حتى المؤمن بصفة عامة وان لم يكن توجهه الحزبي اسلاميا كان أقدر على تحمل معاناة السجن ومعايشته والنجاة منه، لأنهم يمتلكون مصدر قوة يفتقدها الآخرون -بما فيهم ياسين نفسه- وهذا المصدر هو التدين الروحي. فلا سجان - كما يقول الكاتب يستطيع مهما حاول أن يمنعك من اللجوء الى ايمانك وقت المحن واستمداد القوة من هذا اللجوء. 

قد يكون هذا الكتاب مملا ومخيبا لآمال من يريد أن يقرأ عن خفايا وأسرار السجون الأسدية، ويبحث عن صور المعاناة والألم وحكايات التعذيب. فهذا الكتاب أقرب ما يكون في أغلب صفحاته الى كتاب فلسفي وجودي يصور تجربة ذاتية انسانية بكل انفعالاتها وتحولاتها

يقول ياسين الحاج صالح أن التذكر واستحضار تجربة السجن صعب، وأنه ككل السوريين ينفر من ذلك. لكنه يدرك أيضا أن النسيان ممنوع بل هو خيانة لنفسه ولرفاقه الذين ماتوا في السجن أو بعيد خروجهم منه، وهو خيانة للأمهات والآباء الذين ماتوا وهم ينتظرون الافراج عن ابناءهم، وهو خيانة للسوريين ولسوريا، فملامح تجربة كهذه لابد من أن توثق للأجيال القادمة، ولهذا قرر أن يكتب ويكتب ويكتب