الجمعة، 23 مارس، 2012

السلفيون في مواجهة القضايا الكبرى - سلفيو مصر أنموذجا


بالرغم من أن المجموع الحضاري الغابر للمسلمين كان نتاج السلف الصالح الذين خرج منهم علماء أفذاذ وفلاسفة وأطباء ومفكرين وفقهاء مجددين، الا أن سلفية عصرنا المتأخرين لم يشابهوا سلفهم في التجدد والابداع واكتفوا بأن يكونوا سجناء نقولات وتفاسير الموتى من السلف، فسيطر النقل والتوقيف وبقية أدوات الخطاب الديني الوعظي على جميع مناحي حياتنا، وتلا هذا الجمود الاهتمام بصغائر الأمور وتوافهها على حساب ما هو أهم

ولأن العقلية السلفية المتأخرة التي تكونت عبر قرون الهزيمة والتخلف، شاركت وتحت وطأة قمع السياسي في مخططات تخدير الشعوب واشغالها بالقشور والشكليات طاعةً لولاة الأمر الذين حددوا لهم ملاعبهم ورسموا الخطوط الحمراء الممنوع تجاوزها، فقد فرخت لنا -هذه العقلية- مع مرور الزمان أجيال وأجيال من وعاظ السلفية المعاصرة الذين أصبح الناس يميزونهم بمسمى "شيوخ الحيض والنفاس" لانحصار فتاويهم عادة حول المرأة وخصوصياتها ولباسها وكل ما يتعلق بها. هؤلاء السلفيون لا يجيدون اللعب خارج الاطار الذي حدد لهم من قبل، لهذا كان أداءهم مخزيا بعد ان تفجرت براكين الربيع العربي، واستمر تعلقهم بثقافة القشور حتى بعد أن مكّنهم الله من السلطة واستطاعوا بفضل الله الوصول الى بعض البرلمانات العربية المنكوبة

نتيجة لذلك، نجد أن برلمان الثورة في مصر يتحول الى نكتة سياسية مستمرة بسبب القشوريين من نوابه، وبدلا من الانشغال بالقضايا العاجلة التي تواجه مصر في مرحلة حرجة سياسيا يتسلى النواب السلفيون باشباع ادمانهم لاثارة قضايا هامشية جانبية وجرجرة الشريعة من شكلها واقحامها في هذه الهوامش بشكل فج، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دماء الثوار الذين قتلوا في اشتباكات مع العسكر وزج بالمئات منهم في السجون وقدّم آخرون لمحاكمات عسكرية، يقدم نائب سلفي في برلمان يفترض انه صوت الثورة وبرلمانها مشروع طلب إحاطة عاجل لرئيس مجلس الشعب لحجب المواقع الإباحية من شبكات الإنترنت بمصر، وبينما يعجز هؤلاء النواب - كما ذكر الدكتور عمرو حمزاوي في احدى مقالاته - عن فرض مناقشة  قضايا ساخنة كالاعلان الدستوري الذي صاغه العسكر أو الضغط على الحكومة والمجلس العسكري لاستعادة أموال مبارك المجمدة في الخارج والتي قيل أنها تصل الى 11 مليار دولار، لا يجد النائب السلفي حرجا من تضخيم كلمة (حمار) التي وجهها النائب الشاب زياد العليمي للمشير فيطالب بتحويله لجلسة تحقيق وينشغل به ويشغل العامة والدولة والحكومة معه ويعزف على وتر خطابه الوعظي البكائي عن رفض اهانة رموز الدولة (ولاة الأمر الجدد) وعن وجوب اعتذار العليمي لسيادة وجلالة وفخامة وقداسة المشير طنطاوي، ولعدة جلسات تحظى كلمة (حمار) التي صدرت عفوية باهتمام برلمان الثورة في حين تهمل قضايا أهم


ولأن النائب السلفي يعجز عن التخلص من الارث الثقيل لثقافة القشور والاهتمام بالقضايا الجانبية، فما ان تهدأ معركة (الحمار) حتى يبادر في البحث عن جدلية أخرى تشغله، ويجد ضالته هذه المرة في دقيقة الحداد على روح البابا شنودة قبل بدء احدى الجلسات البرلمانية،  فعوضا عن مرور سريع لدقيقة واحدة، يضيع حضرةالنائب السلفي دقائق ودقائق لا حصر لها وهو يحتج على هذه (الدقيقة)، وعندما يغلبه رئيس البرلمان -الاخواني بالمناسبة- ويفرض الدقيقة رغما عنه لا يجد مفرا من الهروب من القاعة احتجاجا، وكالعادة تجرجر الشريعة من قفاها ويبرر السلفيون فعلتهم فيما بعد بأن (دقيقة الحداد) لا أصل لها في الشريعة

هكذا يعود المجتمع للانشغال بما أشغلهم به نواب القشور وتدور الحوارات البيزنطية وتبتذل الشريعة وهي تجرجر يمنة ويسرة من اجل عيون (الدقيقة)، كلٌ يدعي وصلا بها ويحاول جعلها في صفه والاستدلال بها لتدعيم موقفه. لكن المشهد الاشهر الذي سيدخل به برلمان الثورة المصرية التاريخ من بين مشاهد ومواقف وجلسات كثيرة هو مشهد ذاك النائب السلفي وهو ينهض في وسط الجلسة ليقطع النقاشات برفع آذان صلاة الظهر دون أن يأبه لاعتراض رئيس البرلمان الاخواني فيبادره الأخير بعد أن فاض به الكيل بالعبارة الشهيرة: يا أخ.. يا أخ لست أكثر منا ايمانا فلا تزايد علينا




هذا هو حال العقلية السلفية اذا تمكّنت ومنّ الله عليهم بدخول السياسة والبرلمانات، فارث العقود الماضية من احتراف الاستغراق في صغائر الأمور والاعراض عن كبائرها يصعب التخلص منه بين ليلة وضحاها. الغريب أن تجد بعض السلفيين يسوقون الحجج لتبرير اهتمامهم بالشكليات والقشور، فقد لفت انتباهي قبل فترة مقال طويل عميق للشيخ سليم بن عيد الهلالي بعنوان "الدين قشر ولباب"، والمقال في مجمله عجيب وفي تفاصيله أعجب، اذ يقول الشيخ أنه "لا يوجد في الدين قشرٌ ولباب بل كله مهم، وحتى لو كان هناك قشر ولباب في الدين فان اللباب لا يحفظ الا بالقشر، والا لفسد اللباب". ثم يمضي الشيخ في ايراد اقوال وأحاديث يستدل بها على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم أيضا بـ"القشور" وحزمهم في مسائلها دون أن يثنيهم ذلك عن الخوض في "اللباب". وبذلك يسطّر شيوخ الحيض والنفاس فصلا جديدا في مرمطة الشريعة انتصارا لفكرهم الهامشي

بل انهم باتوا يعدّونها مفخرة يرفعون بها الرأس عاليا، وكان الشيخ السلفي الحويني قد سرد مآخذه على مفتي الجمهورية د. علي جمعة عقب خلافهما الشهير فذكر من ضمنها: "والرجل لم يتكلم يوما في اولويات المواطن العادي كالنقاب وحرمة التبرج ولم يؤلف كتابا واحدا حول هذه الموضوعات". هنا يتوصل الشيخ الحويني الى نتيجة منطقية لطيفة وهي أن هذه الشكليات ما دامت تشكّل اهتماماته فلابد وأنها ضمن اولويات المسلم العادي الذي لا تثنيه مشاغل الحياة والبحث عن لقمة العيش من وضع "النقاب" و"التبرج" و"السفور" في قائمة أولوياته

والى أن يتخلص السلفيون من ارث عميق الجذور في الاهتمام بالقشور والشكليات ستظل الشريعة تجرجر ونحن معها نجرجر في جدالات بيرنطية لا تقيم نهضة ولا تبني حضارة

الاثنين، 12 مارس، 2012

تمخضت الثورة فولدت... حربا أهلية (4)

هامش: لست مؤرخة وما أكتبه مجرد قراءة مبسطة لتاريخ معقد متشابك



في يناير 1991 وتحت زخم الثورة الشعبية المسلحة، فرّ سياد بري ومن معه من مقديشو الى اقليم جيدو في جنوب غرب الصومال حيث تقع قاعدة قوية لعشيرته. وأعلن الجنرال محمد فارح عيديد سيطرته التامّة على مقديشو، وشهدت الخمسة اشهر التالية من يناير وحتى مايو محاولتين فاشلتين قادهما سياد بري للعودة الى السلطة ولكن قوات الجنرال عيديد كانت له بالمرصاد. وفي مايو 1991 ادرك بري زوال حكمه نهائيا ففرّ الى كينيا أولا ولكن جماعات المعارضة في نيروبي احتجت على وجوده فيمّم شطر نيجيريا، حيث عاش هناك حتى وفاته في 2 يناير 1995 عن 76 عاما

الصومال في دوامة الحرب الاهلية


جبهة واحدة.. وفصيلين مسلحين

في 28 يناير 1991، وفي الوقت الذي كانت قوات الجنرال عيديد لا تزال تلاحق بقايا فلول سياد بري وتحبط محاولاته الفاشلة لاستعادة السيطرة على مقديشو، صدر بيان رسمي عن الجبهة التي ينتمي اليها الجنرال عيديد (المؤتمر الصومالي الموحد) يعلن تعيين علي مهدي محمد رئيسا مؤقتا للدولة، وعمر عارتيه (سياسي مخضرم وعضو سابق في البرلمان الصومالي قبل انقلاب سياد بري وأول وزير خارجية لحكم سياد بري وينتمي لقبيلة الاسحاق في الشمال) رئيسا للوزراء. وفي ذات الوقت، أعلن الجنرال محمد عيديد والذي كان حينها يرأس المجلس العسكري للثورة في العاصمة رفضه لهذا التعيين، وعلى اثر هذا الموقف انقسمت الجبهة الى فصيلين مسلحين، أحدهما تابع للجنرال عيديد والآخر لعلي مهدي.، ولم تفلح الجهود لاحتواء الفصائل المتنازعة. فشهدت مقديشو في 17 نوفمبر أول قتال مسلح ينشب بين الطرفين، وشكّل ذلك بداية دخول الصومال لدوامة الحرب الأهلية التي مالها قرار


من هو الجنرال محمد فارح عيديد



ولد في بلدوين في إقليم هيران عام 1934م، وهو - كما سبق وأشرنا اليه في التدوينة السابقة - كان رجل الحسم في النضال المسلح ضد نظام سياد بري، وهو أيضا أحد أهم أطراف الحرب الاهلية التي نشبت بعد سقوط النظام. الجنرال محمد عيديد قائد عسكري مخضرم شهد له أعداؤه قبل أصدقائه، وعرف بشجاعته واقدامه وكان يشارك في الحروب بنفسه جنبا الى جنب مع جنوده. ومما يؤسف له أن رجلا بصفاته المميزة لم يعرف سوى لغة البندقية والرصاص سبيلا للتفاهم، وقاد تعنته الشديد الى سفك مزيد من الدماء وتطور الحرب الاهلية

من هو علي مهدي محمد



ولد في مدينة عدلي إحدى قرى محافظة شبيلي الوسطى القريبة من العاصمة مقديشو عام 1938 وكان أصغر نائب في أول برلمان صومالي يتأسس بعد الاستقلال، بعد انقلاب سياد بري على الحكم ابتعد عن السياسة وتفرغ للتجارة، وفي غضون سنوات كان أحد ابرز تجار الصومال ويمتلك فنادق فخمة في مقديشو. في نهاية الثمانينات ومع بدء أفول نجم سياد بري كان علي مهدي من ضمن مجموعة من المثقفين والمفكرين الذين وقعوا عريضة تطالب الرئيس باصلاحات واسعة، فطاردهم الأمن القومي واعتقل بعضهم في حين فرّ بعضهم الآخر وكان علي مهدي ممن فرّوا الى اثيوبيا. انضم الى جبهة المؤتمر الصومالي التي كان يترأسها الجنرال محمد عيديد، وعيّنه المجلس رئيسا للصومال في 1991. يعتبره كثيرون الرئيس الرابع للصومال وأول رئيس بعد الثورة، ويراه آخرون رجلا ركب الثورة وتسلل الى السلطة من الباب الخلفي مستغلا انشغال الجنرال عيديد بالحرب الطاحنة مع نظام سياد بري

انفصال الاقليم الشمالي وتأسيس صوماليلاند

مع استمرار الحرب الدامية بين الفصائل المتنازعة في مقديشو، قرر الاقليم الشمالي المطلّ على خليج عدن في البحر الأحمر والذي دفع القسط الأكبر من فاتورة الثورة ضد نظام سياد بري أن يداوي جراحه بعيدا عن حروب الاخوة الاعداء. وفي 18 مايو 1992 اعلنت حركة اس ان ام انفصالها عن الصومال الكبير بذات حدود الصومال البريطاني قديما وتأسيس دولة صوماليلاند وعاصمتها هرجيسا التي عانت الامّرين، وتم انتخاب السياسي المخضرم ورئيس حركة اس ان ام عبدالرحمن تور كأول رئيس لجمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد

وقد أفرد تدوينة لظروف تأسيس صوماليلاند وتاريخها ان سنحت الظروف باذن الله

مجاعة 1992 والتدخل الأمريكي

تسبب فقدان الأمن بعد سقوط الحكومة المركزية وانقلاب الثوار الى فصائل مسلحة تقاتل فيما بينها الى تعرض الصومال لأول مجاعة من نوعها في تاريخه في عام 1992، وسجلت تقارير اغاثية آنذاك عن معاناة ما يقارب 30 الف مدني من المجاعة ووفاة أكثر من 10,000 منهم.، فأعلن في ديسمبر 1992 عن هدنة ووقف لاطلاق النار واعتبر المجتمع الدولي منطقة جنوب الصومال "منطقة كارثة" وتدفقت الهيئات الاغاثية والمنظمات. وكردة فعل عالمية على هذه الأوضاع المأساوية، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على القرار رقم 794 في 3 من ديسمبر عام 1992 وقد نص على تكوين قوة حفظ سلام بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وسميت يونيتاف وتهدف في المقام الأول الى الإغاثة الإنسانية ومحاولة اقامة السلام بين الفصائل المتنازعة. وصلت قوات الأمم المتحدة في بداية 1993. وكان الرئيس جورج بوش الاب قد وافق على ارسال قوات الجيش الامريكي في مهمة قصيرة انسانية بالدرجة الأولى أو كما قال "سينهون المجاعة ثم يرحلون" لكن الرئيس بيل كلينتون الذي خلفه على الرئاسة قام بتمديد الوجود الأمريكي في الصومال لمدة سنتين

في البدء، احتلت قوات الجيش الامريكي مع قوات حفظ السلام المبعوثة من الأمم المتحدة ميناء مقديشو وسارعت بتوزيع المعونات الغذائية العاجلة على المواطنين الصوماليين مما أراح الجميع. وشيئا فشيئا بدأت تظهر الدوافع الحقيقية للغزو الأمريكي الذي تنكر تحت ستار الامم المتحدة وتبين تخطيطهم لاقامة حكومة موالية برئاسة علي مهدي والقضاء على عيديد الذي رأت فيها أمريكا معارضا قويا لن يخضع لأجندتها، وكانت الصومال بالنسبة لأمريكا تشكل أحد أهم المنافذ الذي يمكّنهم من التحكم بممرات الشحن البحري العالمي (منفذ خليج عدن في البحر الأحمر والمحيط الهندي) ولطالما كان بناء قاعدة عسكرية في الصومال مطمح الساسة الأمريكان


بدأت بوادر الكره للقوات الأمريكية والتي كان قوامها 18 الف جندي تظهر على السطح، لكن الأحداث تسارعت عندما قامت واشنطن بارسال قواتها إلى مقر الإذاعة والتلفزيون الصومالي في محاولة مكشوفة لفرض الحكومة الموالية لها على الشعب الصومالي الذي رفض هذه الخطوة ورفض تواجد الأمريكيين على أرضه، و بدأت الإستخبارات الامريكية في جمع كل المعلومات المتاحة عن الجنرال عيديد بهدف تصفيته، تلاه حدث تعرض مقر القيادة العامة للقوات الأمريكية الى قنابل يدوية قيل أن وراءها مجهولين، لكن الادارة الأمريكية وجهت اتهاماتها المباشرة لقوات الجنرال عيديد، ثم ردت بتدمير وقصف حي كامل بمقديشو مما فجر الكراهية في قلوب آلاف المدنيين الذين سارعوا بحمل السلاح لمواجهتهم

وسرعان ما توالت الأحداث سريعا فأعلن الجيش الامريكي أن الحرب ضده يقف وراءها الجنرال عيديد وطالبوا برأسه وهدد كيرك كوكر الناطق العسكري باسم القوات الأمريكية عبر شاشة التلفاز بكل عنجهية قائلا أن القوات الأمريكية لن تهدأ ولن ترتاح حتى تعتقل الارهابي محمد فارح عيديد. وفي 3 أكتوبر 1993 وصلت معلومات من مصادر موثوقة إلى الأمريكيين بأن الجنرال عيديد وحشد من ضباطه ومساعديه سوف يعقدون إجتماعاً في مكان تم تحديده في إحدى أنحاء العاصمة مقديشو، فتوجهت قوات خاصة للاحتلال تساندهم المروحيات إلى منطقة الإجتماع بقصد إلقاء القبض علي عيديد أو تصفيته وكل معاونيه، وهاجم الأمريكان المبنى الذي يعقد فيه الاجتماع بكل إستخفاف ليكتشفوا بعد فوات الأوان أن كميناً كان قد نصب لهم


دارت معركة شرسة استخدم فيها الأمريكيون كل مالديهم من أسلحة وعتاد ضد المقاتلين الصوماليين المسلحين ببنادق عتيقة وبعض الأسلحة المضادة للدروع، وتمكنت قوات الجنرال عيديد من اسقاط 5 مروحيات و18 قتيلاً و 73 جريحا للأمريكيين، الذين لم يتوقعوا أبداً أن تسقط لهم خمس طائرات مروحية من طراز بلاك هوك في وقت واحد، وانطلق المدنيون الصوماليين ينتقمون من الجثث الأمريكية بسحلها في شوارع المدينة في مشهد مرعب تناقلته وسائل الاعلام العالمية نقلا عن محطةُ "سي إن إن" التي تفردت بالتغطية آنذاك، وأمام الحادثة المروعة بادر الرئيس بيل كلينتون الى سحب القوات الامريكية وانهاء العملية العسكرية والتي أسماها سلفه جورج بوش الأب بعملية "الأمل الجديد"، ورغم الخسائر الصومالية الكبيرة إلا أن الصوماليين تمكنوا من كسر العنجهية الأمريكية واصابوا كبرياءهم في مقتل، وتركت تلك الأحداث آثارها طويلا في السياسة الأمريكية اذ اشتبه الامريكان بأن الجنود الايطاليين ضمن بعثة الأمم المتحدة كانوا يمدون يد العون خفية لمساعدة عيديد على قتالهم، كما قامت هوليوود بصنع فيلم عن تلك الاحداث الفظيعة بعنوان: سقوط بلاك هوك 

 في 3 مارس 1995 انتهت مهمة قوات حفظ السلام المبعوثة من الأمم المتحدة بفشل ذريع لم تتمكن فيه من اعادة الامن أو تشكيل الحكومة المركزية، وتركت الصومال نهبا للفصائل المتنازعة وأمراء الحرب

مرحلة ما بعد 1995 ومقتل الجنرال عيديد

في أوائل العام 1996 م توفي الجنرال محمد فارح عيديد إثر جراح بالغة أصابته أثناء إحدى المعارك ضمن أتون الحرب الاهلية ليتم تنصيب ابنه حسين عيديد خلفاً له في قيادة المليشيا عقب عودته من الولايات المتحدة الأمريكية. طموح الجنرال رحمه الله بأن يكون يوما من الأيام رئيسا للصومال ولو بالقوة العسكرية أودى بالبلد للانهيار، ولكنه تمكن من دخول الذاكرة الصومالية بكونه الرجل الذي ألحق الهزيمة بالقوات الأمريكية


كان حسين عيديد أكثر مرونة من أبيه، فأعلن في ديسمبر عام 1997م ما سمي بإعلان القاهرة في المصالحة بين علي مهدي وحسين عيديد، وفي عام 1998م أعلن عن خطة لتقاسم السلطة في مقديشو والمصالحة الشاملة بين فصائل الجبهة المتنازعة وكانت هذه بادرة ايجابية دلت على قرب انفراج الأمور، وفي عام 2000م خاض علي مهدي انتخابات رئاسة الصومال في مؤتمر عرته الذي أقيم بجيبوتي، لكنه لم يجد أصواتا كثيرة،  وأصبح عضوا في البرلمان الانتقالي وتولى الرئاسة عبدالقاسم صلاد تلاه عبدالله يوسف

ومع استمرار معارك الكر والفر بين امراء الحرب، دخلت الصومال في دوامة جديدة مع ظهور المحاكم الاسلامية وبدء ما سمي بالثورة الاسلامية في مقديشو


الجمعة، 2 مارس، 2012

وكانت الثورة........ (3)

هامش: لست مؤرخة وما أكتبه قراءة مبسطة لتاريخ معقد ومتشابك

حرص الاعلام العربي بتوجيهات من الزعماء العرب على استهجان الثورة الصومالية والاستهتار بأثرها والاكتفاء بالاشارة اليها بوصف "تمرد قبلي مسلح"، ولعله ليس مفاجئا أن نجد أن معظم المراجع العربية حتى اليوم لا تزال تتحدث عن "تمرد قبلي صغير" وعن "عصابات مسلحة" و"انفصاليين همج" برغم مرور أكثر من عشرين عاما على تلك الأحداث التي أطاحت بحكم سياد بري. والحقيقة أن الثورة قد بدأت بتكتلات قبلية مناطقية في البداية حيث كانت شرارتها في الاقليم الشمالي، لكن ما كان لها ان تستمر أو تسقط النظام لو لم تتضافر الجهود وتشارك بها جميع فئات وقبائل المجتمع الصومالي، ولا يمكن تحييد الدور القبلي في معارضة سياد بري خصوصا في بلد يقوم اساسه الاجتماعي على التكتلات القبلية، حتى حركات المعارضة التي نشأت في ظل سياد بري ميّزتها هويتها القبلية

الجبهة الديموقراطية لانقاذ الصومال Somali Democratic Salvation Front (SDSF)

نشأت في عام 1978 وتعتبر أول حركة معارضة تنشأ في ظل حكم سياد بري وتتخذ اديس ابابا  مقرا لها، وكانت تتكون من سياسيين قدماء ورجال دولة ووزراء أغلبهم من قبيلة المجرتين ممن فقدوا امتيازاتهم السياسية جرّاء الانقلاب العسكري يترأسهم العقيد عبدالله يوسف. تسرّعت الجبهة بتنفيذ محاولة انقلاب فاشلة في عام 1979 وباستخدام دبابات وأسلحة اثيوبية، بعد فشل الانقلاب دبت الخلافات بين أعضاء الجبهة، واستغل سياد بري هذه الخلافات فسارع بعقد مصالحات مع بعض الأطراف دون سواهم وعاد عددٌ كبير من اعضاء الجبهة الى مقديشو منشقين عن الجبهة. وبالرغم من الدعم الواسع الذي حظيت به الجبهة من اثيوبيا وليبيا باعتبارها أول حركة معارضة لبري الا انها فشلت في تنظيم نفسها وأضعفتها الانشقاقات الداخلية ولم تصمد لمواجهة النظام

الحركة الصومالية الوطنية The Somali National Movement (SNM)
واذا كانت جبهة انقاذ الصومال عجزت عن مواجهة النظام، فان اس ان ام (الحركة الصومالية القومية) أنجزت الكثير وكان لها دور مباشر وأساسي في صنع الثورة. تأسست الحركة الصومالية الوطنية في لندن في 1980 على يد الشيخ يوسف بن الشيخ علي مطر وتكونت من نخبة من المثقفين ورجال الأعمال ورجال الدين والوزراء الدبلوماسيين السابقين الذين فروا من الصومال بعد تولي سياد بري لمقاليد الحكم، وأتى تشكيل الحركة كثمرة لجهود التوعية وحملات التعبئة التي قام بها مثقفون ورجال دين داخل الصومال وخارجه ضد النظام مما جعل المواطن الشمالي أكثر تقبلا واستعداد لمعارضة النظام من غيره من الصوماليين آنذاك. كانت الحركة في مجملها تتكون من ابناء قبيلة الاسحاق ومن قبائل أخرى تنتمي للاقليم الشمالي (صوماليلاند الآن) حيث كان الاقليم الشمالي أكثر الأقاليم معاناة من جبروت سياد بري وقمعه، فلم يكن مفاجئا أن يكون الشمال مهد الثورة وشرارتها

وبرغم أن مؤسسي وأعضاء الحركة ينتمون الى النخبة المثقفة من أبناء الاقليم الشمالي، الا أنهم اعلنوا بدء الكفاح المسلح وبرروا ذلك بعدم جدوى طرق المعارضة السلمية مع النظام الدموي، ولعله ظهر لهذا القرار مساوئ فيما بعد أكثر من محاسنه. اذ لعب نظام سياد بري على وتر القبلية وقيل بأنهم يسعون للانفصال وأن اثيوبيا تدعمهم لاثارة الفوضى في البلاد، وبرغم أن الأحداث ما بعد الثورة قادت الى الانفصال وكان لذلك القرار ظروفه، الا أن الحركة في ذلك الوقت لم تكن لها أي نزعة انفصالية وكان الهدف الوحيد هو الاطاحة بنظام سياد بري

بعد عام تقريبا، تولى الجناح الداخلي للحركة الوطنية الصومالية تشكيل معسكر تدريب للحركة في اثيوبيا، واعتبرت هذه الخطوة جريئة وتاريخية تلاها نداء للمواطنين الصوماليين عامة وأبناء الاقليم الشمالي خاصة للانتظام في صفوف الحركة وبدء التدريبات القتالية والعسكرية في اثيوبيا استعدادا للكفاح المسلح، واعتمدت الحركة في تمويلها على الجاليات الصومالية في أوروبا والخليج العربي كما استفادت من اثيوبيا التي منحتها قاعدة للانطلاق والتدريب. منذ ذلك التاريخ شهد الجيش الصومالي هروب وانشقاق عدد من الضباط خصوصا من أبناء الاقليم الشمالي والتحاقهم بصفوف الحركة في اثيوبيا للمساعدة في تدريب الكوادر الشبابية، من هؤلاء العقيد أحمد طاهر والعقيد أحمد كاهن محمد والعقيد عبدالله عسكر وغيرهم

يوما بعد يوم، كانت شعبية الحركة تزيد في الاقليم الشمالي وعدد المنضمين الى كوادرها من الطلبة والشباب القروي العاطل في ازدياد مطرد، وكردة فعل متوقعة زادت وتيرة القمع والاضطهاد. بعد مرور عام آخر، في 1983 بدأت الحركة تنفيذ اولى عملياتها العسكرية، فعبرت الحدود الاثيوبية وهاجمت كتيبة من القوات الصومالية التابعة لنظام سياد بري، والحقت بهم خسائر فادحة كما استولت على الدبابات وذخائر الأسلحة ومعدات الاتصال، وزاد نجاح هذه الهجمة العسكرية من معنويات الحركة



فيديو نادر يعرض جزءا من تدريبات الحركة على الكفاح المسلح في الثمانينات

في 12 ابريل 1983، نفذ مقاتلو الحركة عملية انقاذ مذهلة لتحرير العقيد عبدالله عسكر الذي القي القبض عليه من قبل ميليشيات سياد بري اثناء تأديته لمهمة سرية في هرجيسا، وتعرض العقيد لتعذيب وحشي في قاعدة شديدة التحصين تابعة  للجيش الصومالي. وفي اليوم التالي لالقاء القبض عليه، فوجئت ميليشيات النظام بهجوم منظّم نفذّه 8 مقاتلون من الحركة أسفرت عن تحرير العقيد ومقتل واصابة عدد من جنود سياد بري بدون أن تلحق اي خسائر بصفوف الحركة. النجاح الباهر لعملية "انقاذ العقيد" جعلت سياد بري يعي خطورة التهديد الذي تشكله الحركة أكثر من ذي قبل وزاد من الدعم الشعبي الذي تحظى به من الصوماليين في الداخل والخارج.  وكان من تداعياتها أن فُرض على مدينة هرجيسا شبه حصار على المواد الغذائية والوقود، وتم حرمان أهلها من الحصول على امدادات المياه خلال مواسم الجفاف، اذ اعتقد سياد بري أنه اذا زادت معاناة الشماليين سيتخلون عن دعم الحركة


صورة نادرة للعقيد عبدالله عسكر الذي تم تحريره في عملية انقاذ العقيد

ما بين يونيو 1985 وفبراير 1986، قالت الحركة الوطنية الصومالية أنها نفذت  أكثر من 30 عملية ضد ميليشيات بري المتواجدة في شمال الصومال وتسببت في مقتل 476 جنديا حكوميا وجرح 263، كما تمكنت من الحصول على 11 سيارة ودمرت 22 سيارة أخرى تابعة للحكومة، في حين لم تسجل خسائر سوى 38 من الرجال وسيارتين، وأشار مراقبون مستقلون الى أن هذه الأرقام قد تكون مبالغا فيها

المواجهة الكبرى

 كان لعودة العلاقات الصومالية-الاثيوبية أثرها في تعجيل المواجهة الكبرى، وفي 4 ابريل 1988 وقّع الرئيسان الاثيوبي والصومالي بيانا مشتركا اتفقا فيه على اعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتبادل أسرى الحرب والتوقف عن دعم الحركات المعارضة لكلا الطرفين، وكان على حركة اس ان ام أن تواجه امتحانا عسيرا لاثبات مقدرتها على استمرار الكفاح بعد فقدان الدعم الاثيوبي وطردها من الأراضي الاثيوبية

 في أواخر مايو 1988 وبعد صدور قرار الطرد من الأراضي الاثيوبية، تحركت وحدات الحركة الوطنية الصومالية من مخيماتهم وشنت هجوما واسع النطاق في الاقليم الشمالي، وتمكنت وسط ترحيب ودعم ومساندة الأهالي من تحرير مدينتي بربره وهرجيسا. هذه النجاحات المبكرة عززت من نفوذ الحركة الوطنية الصومالية الشعبية، وسارع الآلاف من قبيلة اسحاق والفارّين من نظام سياد بري للانضمام الى صفوف المقاتلين. وتمكنت الحركة من تقوية وجودها بعد سيطرتها على سيارات عديدة مثل تويوتا لاند كروزر وبي آم، بالاضافة الى عدد لا بأس به من الاسلحة الخفيفة والرشاشات وبنادق عديمة الارتداد وقاذفات الصواريخ كلها تعود للحكومة

قصف هرجيسا وبربره

ردة فعل سياد بري لم تتأخر كثيرا، وسرعان ما جنّد معظم ترسانة الجيش الصومالي وميليشياته معلنا الحرب ضد "المتمردين"، وانطلقت الطائرات والمدفعيات تدك مدينتي هرجيسا وبربرة وتقصفها ليلا نهارا. سارع الاهالي بالنزوح من المدينتين الى ريف الصومال والقرى الصغيرة، وبلغ من وحشية ميليشيات سياد بري أن كان الطيارون يتتبعون الأهالي النازحة ليقصفوهم، مع علمهم الأكيد بأن هؤلاء لا يقاتلون في صفوف الحركة وانما هم من الأطفال والنساء والشيوخ النازحين عن القتال الدائر. وفي الخارج، كان نظام سياد بري يحظى بدعم لامحدود من الدول العربية خصوصا السعودية ومصر وكانت الآلة الاعلامية العربية تشيع في كل مكان أن ما يجري في الصومال عبارة عن مواجهة مع جماعات انفصالية ترفض وحدة الصومال وتتخذ من مدينتي "بربرة" و"هرجيسا" معقلا لهما، وصدق الزعماء العرب الداعمون لسياد بري ما صدقه هو ايضا بأن الحسم سهل وزهيد الثمن، وان المجاميع الصغيرة المتمردة لن تقوى على مواجهة الطغمة العسكرية، وكان سياد بري يكرر أثناء الأحداث "هذا درس بسيط لكل صومالي سيفكر بحمل السلاح ضدي فيما بعد" لكن الدرس الذي خلّده التاريخ فيما بعد كان بدم وارادة الشعب لا الطغمة العسكرية

فيديو يوضح مقابر جماعية تم اكتشافها فيما بعد تضم رفات أهالي هرجيسا الذين قضوا نحبهم اثناء ثورة 1988

انها الابادة يا ابن عمي.. انها الابادة

أشار الكاتب عبد القادر ارومو  في كتابه "سبب انهيار الصومال " الى أن أقل ما يمكن أن يوصف به قصف سياد بري وميليشياته للاقليم الشمالي هو "الحرب الشاملة" وكان المستهدف قبيلة الاسحاق التي بادرت بالتصدي له واشعال شرارة الثورة، ويذكر الكاتب أن صمت بقية العشائر الصومالية لمدة عامين من 1988 وحتى 1990 حين كانت هرجيسا وبربره تتعرضان لحرب شاملة ورّث في قلوب الشماليين حسرة وعداء نتج فيما بعد عن تفكك الشمل الصومالي وانفصالهم بذات حدود الصومال البريطاني السابق. يذكر الكاتب أنه من السهل على كثير من الصوماليين الحديث عن الصومال الموحد والمطالبة بنسيان الماضي في حين لا زال بعضهم يتحسرعلى ايام سياد بري ولا يعترف بفداحة ما قام به من تصفية عرقية للاقليم الشمالي ثم بعدها يستنكر ذات الأشخاص النزعة الانفصالية للشماليين

وسيرى الزائر لميدان الحرية في مدينة هرجيسا اليوم طائرة مقاتلة من طراز ميغ الذي كان يشارك في القصف قيل ان المقاتلين أسروها ووضعت في ميدان الحرية كنصب تذكاري يعبر عن تلك الفترة السوداء من تاريخ الصومال


المؤتمر الصومالي الموحد United Somali Congress (USC)

تأسست هذه الحركة التي تضم قيادات من سياسيين وضباط سابقين في الجيش الصومالي من قبائل الهويه التي تسكن مقديشو وما حولها، وكان لهذه الحركة التي تشكلت عام 1989 في روما بقيادة الجنرال محمد فارح عيديد التأثير الاكبر في عملية الحسم، اذ قادت الكفاح المسلح من وسط العاصمة مقديشو ودفعت قبائل الهويه للثورة مساندة لاخوانهم الشماليين ودقت المسمار الأخير في عرش الديكتاتور سياد بري. بدأت الحركة عملياتها العسكرية في قلب العاصمة مقديشو وما حولها من مدن عام 1990 قبل 6 اشهر من السقوط الأخير لسياد بري، وشكّل ظهور الحركة في الوقت الذي كانت ترسانة وميليشيات النظام مشغولة بسحق التمرد الشمالي ضربة قاصمة لم يستفق منها النظام سريعا خصوصا وأن الزخم الثوري الذي قاده الجنرال عيديد كان شديد الاندفاع وسرعان ما وصل الى قصر الجمهورية واضطر سياد بري الى الهرب نحو نيجيريا حيث قضى هناك ما تبقى من عمره وتوفي عام 1995


       الجنرال محمد فارح عيديد

في التدوينات القادمة نتابع القاء الضوء على تداعيات الثورة واندلاع الحرب الأهلية ودخول الصومال في نفق مظلم

الخميس، 1 مارس، 2012

تحت حكم سياد بري (2)

هامش: لست مؤرخة وما أكتبه مجرد قراءة مبسطة لتاريخ معقد متشابك 

أتيت الى مقديشو وليس فيها الا طريق واحد معبّد بناه الايطاليون، اذا أجبرتموني على التخلي عن السلطة فسأترك المدينة كما جئتها أول مرة.. لقد أتيت بسلطة البندقية، ووحدها البندقية يمكنها ازاحتي -  سياد بري


في الستينات سرت موجة الانقلابات العسكرية العالم العربي وهددت أغلب الجمهوريات والملكيات آنذاك، واستطاع العسكر في دول عربية أخرى كليبيا واليمن وسوريا والعراق من الوصول الى الحكم والتربع فوق السلطة. والصومال لم تكن استثناءً، وكانت على موعد مع العسكر في 3 نوفمبر 1969 م.

في 15 اكتوبر 1969، اغتيل الرئيس الصومالي عبدالرشيد شرماركي  رحمه الله على يد أحد حراسه الشخصيين في حادثة غامضة لم تعرف أسبابها، وبعد عدة ايام استمر فيها الجدل بين البرلمانيين على التوافق حول رئيس جديد، أعلن الجنرال سياد بري -وكان حينها قائد الجيش الصومالي-  تشكيل مجلس لقيادة الثورة (المقصود بالثورة انقلابه على الحكم) يترأسه هو شخصيا، واستولى بموجبه على مقاليد الحكم في البلاد منهياً عهدا قصيرا من الحكم المدني الديموقراطي


وفي عام 1969 م والذي شهد أحداثا مشابهة كوصول معمر القذافي الى كرسي الحكم في ليبيا، تقبل الصوماليون الفجر الاسود الذي حمله لهم سياد بري وارتضوا الخط السياسي الجديد الذي انتهجه ملغياً كل جهود أسلافه من قبله لبناء صومال ديموقراطي، وكانت من أهم ركائز فترة حكمه

 الغاء الأحزاب السياسية وتشكيل حزب جديد بمسمى "الحزب الوطني الاشتراكي الثوري" يترأسه شخصيا ويحكم البلاد عن طريقه، وجدير بالذكر أن الحزب يحوي في غالبيته العظمى عضوية جنرالات القوات المسلحة

ايقاف العمل بالدستور الاول

تبني نظام الاشتراكية الماركسية

وضع أسس اقتصادية جديدة تقوم على الاشتراكية

وكان حكم سياد بري يحظى بدعم وتشجيع من الاتحاد السوفييتي الذي وقعّ مع الصومال معاهدة صداقة وتعاون بين البلدين عام 1974م ، وأيضا بدعم الرئيس المصري جمال عبدالناصر الذي فتح له الطريق الى الجامعة العربية والأمم المتحدة


ملامح من حكم سياد بري
 
في عهده  تم إنشاء شبكة من البنوك والأسواق التجارية في مقديشو وإقامة الصناعات الأساسية في المحافظات (الأسمنت في بربرة والأسماك في لاسقوري والملابس والمنسوجات في بلعد والسكر في مريري واللحوم والخضار في كسمايو والكيماويات والألبان في مقديشو)، كما قاد سياد بري مشروع كتابة اللغة الصومالية التي كانت تُنطق ولا تكتب، وشجع عملية "صوملة" التعليم بعد أن كان التعليم باللغة الانجليزية

  وفي عهد سياد بري تم إنشاء التلفزيون الصومالي  بدعم من دولة الكويت، وربط جميع المدن الرئيسية بشبكة من الطرق الحديثة بدعم من جمهورية الصين، وتوصيل الكهرباء والماء وبناء المدارس والمراكز الطبية ومراكز الاتصالات في جميع المحافظات. بالاضافة الى تطوير ثلاثة موانيء رئيسية هي ميناء مقديشو - ميناء بربرة - ميناء كسمايو




والحق يقال أن الكثيرين ممن لا زالوا يتباكون على ديكتاتورية سياد بري يبالغون في تضخيم انجازاته، فكل هذه الانجازات من انشاء للتلفزيون الصومالي أو انشاء جامعات ومدارس وبنوك تجارية وغيرها انما كانت بتأثير النهضة في عهد ما بعد الاستعمار والعولمة وتقريبا كل دول العالم العربي شهدت انجازات مماثلة في ذات الفترة ولو كان غيره يحكم الصومال آنذاك او لو استمر الحكم المدني ولم يستولي عليه العسكر لشهدت الصومال انجازات أكبر. ثم ان اغلب من يتباكون على تلك الفترة اذا ما عرضنا عليهم تجارب مماثلة بل وأرقى تشهدها الآن دولة صوماليلاند الوليدة في أقصى شمال القرن الافريقي نجدهم يستسخفونها فلماذا اذاً يطالبون الشعب الصومالي الذي ذاق الويل من عهد سياد بري ان يتباكى عليه لمجرد أنه انشأ تلفزيونا أو بنى مدرسة

بذات المنطق نجد أشباه هؤلاء يتباكون على القذافي أو علي عبدالله صالح أو غيرهم ممن ابتليت بهم الأمة لمجرد أن عهدهم شهد بناء مستشفيات أو ترصيف شوارع

العلاقات الخارجية لنظام سياد بري

كان لسياد بري دور هام في استقلال جيبوتي (اقليم الصومال الفرنسي) عام 1977 وعزز هذا من العلاقات الثنائية وأواصر القرب مع الاخوة الصوماليين في جيبوتي. وربطته علاقات وثيقة بجمال عبدالناصر الذي عرف عنه مناصرته ودعمه للانقلابات العسكرية في العالم العربي، واستمرت العلاقة الوثيقة مع انور السادات ولهذا عارض المقاطعة العربية لمصر بعد كامب ديفيد وبشدة، كما دعم الثورة الاريترية وانفصالها عن اثيوبيا، وتمتع بقرب ودعم الرئيس السوداني جعفر نميري والاماراتي الشيخ زايد والملك السعودي فهد وكل هؤلاء دعموه كثيرا فيما بعد سواء في حربه ضد اثيوبيا أو أثناء الثورة التي أطاحت به. في المقابل كانت علاقته سيئة تصل الى حد الشقاق مع النظام الأسدي السوري ومع الفصائل الفلسطينية خصوصا بعد ان سمح للكوماندوز الالماني باقتحام طائرة المانية اختطفها الفلسطينيون ولجأوا بها لمطار مقديشو الدولي

مراحل مفصلية في حكم سياد بري

في عام 1977 م كانت الحرب الصومالية- الاثيوبية والتي شكلت مرحلة مفصلية في حكم سياد بري، وكان سبب الحرب محاولة سياد بري لتحرير اقليم اوجادين - الاقليم الخامس لدولة الصومال- والذي تنازل المستعمر البريطاني عنه لاثيوبيا قبل رحيله مكافأة للدعم الاثيوبي للحلفاء في الحرب العالمية الثانية

وبعد تأسيس دولة الصومال المستقلة تمت عدة مفاوضات بين الصومال واثيوبيا بخصوص الاقليم المحتل اوجادين لم تسفر عن شئ، حتى جاء سياد بري فزادت حدة التوتر بين الطرفين اثيوبيا والصومال ووصلت الى أوجها في عام 1977 مع اندلاع الحرب بينهما

في 12 يونيو 1977 شنّت القوات الصومالية بالتعاون مع جبهة تحرير الصومال الغربي الهجوم على القوات الاثيوبية في اوجادين والتي لم تتوقع هجوما كهذا وبالتالي لم تكن مستعدة للتصدي له. وتمكنت القوات الصومالية من التغلغل مع ضعف التصدي الاثيوبي وتحرير ما يقارب 90% من أراضي اوجادين، ويقال ان الهجوم الصومالي لم يتوقف الا على مشارف مدينة هرر لنفاذ الذخيرة والمؤن

لكن سرعان ما تدارك الاثيوبيون الهزيمة، وشنّوا هجوما مضادا بدعم لامحدود من أمريكا والاتحاد السوفييتي ودولة اليمن الجنوبية. وكان دعم السوفييت لاثيوبيا نتاج غضبهم من سياد بري الذي بدأ حربه مع اثيوبيا دون استشارتهم. الدعم السوفييتي لاثيوبيا شكّل ضربة قاصمة لنظام سياد بري الذي لم يفلح في الحفاظ على مكتسباته الأولية في الحرب بالرغم من دعم مصر ودول الخليج له، وتابعت القوات الصومالية تراجعها وانسحابها حتى عادت خالية الوفاض الى مقديشو

كان من تداعيات هذه الحرب انتهاء "شهر العسل" بين السوفييت وسياد بري، فأوقف السوفييت امداد الصومال بالذخائر والأسلحة، وطرد بري كل الخبراء والمواطنين السوفييت من الصومال ومزق معاهدة الصداقة والتعاون. كما نشأ نوعٌ من التوتر والخلاف بين مصر التي دعمت الصومال وبين السوفييت تجاوزه الطرفان سريعا

من ناحية أخرى، فان هذه الحرب الخاسرة لم تخلو من تبعات ثقيلة لعل اهمها كان التبعات الاقتصادية الهائلة خصوصا بعد خسارة الدعم السوفييتي، وبرغم توقيع بري على عقد للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي، ومحاولته لالغاء بعض الاحتكارات الحكومية وزيادة الاستثمارات العامة وتقديمه لمشروع خفض الانفاق العسكري - وسط معارضة شديدة من الجيش الصومالي - الذي كان يستهلك ما يقارب 60% من اقتصاد الصومال الا ان التدهور الاقتصادي استمر مع تزايد الغضب الشعبي المكبوت وشكّل هذا بداية أفول نجم سياد بري





بالنار والحديد

كعادة الزعماء الاستبداديين في كل مكان، عانى سياد بري من مرض العظمة فأطلق على نفسه العديد من الألقاب كان أشهرها "الأخ سياد" و"القائد المنتصر"، وكان التغني بأمجاده وعزّه آناء الليل والنهار واجب فرض على كل مواطن صومالي، بل ان تلاميذ المدارس كانوا يجبرون كل صباح على ترديد نشيد "القائد المنتصر سياد بري" 




من ناحية أخرى، فان وصف "الديكتاتورية القمعية" أقل كلمة يمكن ان توصف بها فترة حكم سياد بري بما حدث فيه من انتهاكات لحقوق الانسان ، بما في ذلك اضطهاد وسجن وتعذيب المعارضين السياسيين.  حتى ان هيئة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي اعتبرت 21 سنة التى حكمها سياد بري تنطوي على واحد من أسوأ سجلات انتهاك حقوق الإنسان في أفريقيا. كما نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا مفصلا يوثق أساليب التعذيب التي ارتكبها جهاز الأمن القومي بتوجيهات منه شملت عمليات الإعدام و الضرب والصعق بالصدمات الكهربائية ، وتهديدات بالقتل، ونشرت أيضا تقارير أخرى تشير الى تعرض سكان الريف وقبائل البدو  لعمليات منظّمة من القتل والاعتقال التعسفي والاحتجاز في ظروف بائسة ، والتعذيب، والاغتصاب، وتقييد حرية التنقل والترهيب النفسي

في سبتمبر 1970 ، وضعت الحكومة قانون الأمن الوطني رقم 54 ، التي منحت السلطة حق اعتقال واحتجاز اى شخص إلى أجل غير مسمى دون احالتهم للمحاكمة وكان ضحايا ذلك القانون هم أولئك الذين عبروا عن آراء تنتقد الحكومة. كما أطلق سياد بري يد الأجهزة الأمنية لاستغلال المادة رقم واحد من القانون لتصفية المعارضين السياسيين وهي المادة التي كانت توجب عقوبة الاعدام المباشر بدون محاكمة لمن يثبت عليه القيام بافعال معادية تستهدف وحدة الاستقلال أو أمن الدولة

مع أفول نجم سياد بري وازدياد المقاومة المحلية  شكّل سياد بري وحدة شبه عسكرية سميت بميليشيات بري قيل انها نفذت عمليات ارهابية منظمة تقريبا ضد عشائر وقبائل بعينها خصوصا قبائل الاقليم الشمالي (دولة صوماليلاند الآن) واستثنيت من تلك العمليات الاجرامية العشيرة التى ينتمى اليها الرئيس وتسببت هذه الجرائم بأحقاد بين القبائل كان لها أثرها في اندلاع الحرب الاهلية فيما بعد. ومن الجرائم التي سجلت ضد ميليشيات سياد بري قيامهم بتحطيم خزانات المياه التى كانت مركز الحياة لبعض الصوماليين و قطعانهم وموت أكثر من 2000 مواطن صومالي من العطش ، وفي عهده تم توثيق قتل ما يقدّر بنحو 5000 مواطن صومالي من قبل الحكومة، واغتصاب أعداد كبيرة من النساء، وقيل أن ما يقارب 30,000 من الصوماليين هاجروا الى اثيوبيا وبلاد أخرى 



ملحوظة: كل هذه الجرائم والأرقام من فترة ما قبل الثورة لأن البعض للاسف نسي فظائع ما قبل الثورة ولا يذكر الا تداعيات الثورة فيما بعد

وكانت الثورة
بدأت بوادر الكفاح المسلح ضد سياد بري من بداية الثمانينات لكن الثورة بزخمها الشعبي لم تنفجر الا في عام 1988 وكانت الشرارة في مدينة هرجيسا المناضلة التي دكّت بالقذائف وتمت تسويتها بالأرض. في التدوينة القادمة سأسجل بعض ملامح الثورة المسلحة التي أكلت ابناءها فيما بعد