السبت، 1 ديسمبر، 2012

في انصاف الصحوة

بتّ اؤمن في الفترة الأخيرة، أكثر من أي وقتٍ مضى، بأنه لا سبيل للخروج من الدائرة المفرغة التي يحبسنا داخلها صراع التيارات المستمر، وسعيها المحموم للانتصار للذوات وتحقيق المكاسب الحزبية ولو على حساب المصلحة العامة، الا بمراجعة جادة تنسف الأوهام والمغالطات التي تحيط ببعض تصوراتنا عن التحولات التي مرّ بها المجتمع في تاريخه الحديث

في حقبة الثمانينات، مرّ المجتمع السعودي بأحد أهم وأخصب التحولات التي ساهمت في تشكيل وعيه في مرحلة مهمة، وتركت أثرها في كل مناحي حياته، وتزامن ذلك مع نشوء ما سمي بالصحوة الاسلامية. يرى ستيفان لاكروا في كتابه "زمن الصحوة" أن ذكاء الصحوة يكمن في قدرتها على هز الوعي المجتمعي بشكل يكاد يكون جذريا، وتكوينها لحركة فكرية -اجتماعية، اعتمادا على مؤسسات الدولة نفسها خصوصا في قطاع التعليم. وقد استطاعت في فترة قصيرة أن تصبح عنصرا محوريا في النسيج الاجتماعي السعودي

وقبل أن أدخل في الحديث عن الصحوة ، أود أن اشير الى حالة الجمود والتبلد الذي أصاب المشهد الفكري والذي أعاق النمو الحضاري للمجتمع، بل لعل السعودية تعدّ البلد الوحيد في العالم، الذي لا زالت صراعات التسعينات تتكرر فيه بذات زخمها. ولفترة طويلة ارتضى الكثير من أطراف الصراع من النخب الدينية والتحديثية اعادة تمثيل أدوارهم وعدم مراوحة أماكنهم أو تطوير رؤاهم في تناول ذات القضايا والمسائل، خاصة مسائل المرأة والتعليم والحريات وغيرها. وان جزمنا بحدوث نقلة أو تطور في طرح بعض هذه القضايا، كتحول النقاش حول قيادة المرأة للسيارة من منظور ديني يقضي بتحريمه الى منظور اجتماعي يحذر من آثاره السلبية على المجتمع، الا أن مثل هذه التغيرات في الطرح تظل بسيطة بحيث تقصر عن حسم الجدل، ناهيك عن تهيئة الوعي المجتمعي الكافي الذي يحرر القضية من تداولها بأدوات الصراع القديمة ذاتها

واذا كان الفكر السلفي التقليدي قد شهد عدة محاولات وقراءات نقدية جادة من داخل التيار نفسه، كان أبرزها على يد ما سمي بالخطاب الاصلاحي أو التنويري والذي تصدى له باحثون شرعيون على قدر من التمكن من أمثال عبدالله المالكي ورائد السمهوري وسليمان الضحيان، فانني أستغرب أن المشروع الفكري الليبرالي لم يحظى بفرصة مماثلة، مع أنه الاشد حاجة للاصلاح خاصة وهو يحمل بذور هدمه بداخله

وعودة الى تيار الصحوة، فقد اعتدنا أن يلقي المثقفون والمتصدرون للاعلام الليبرالي باللائمة على الصحوة حين الحديث عن الظواهر السلبية المعيقة للحداثة أو المستغرقة في التخلف. والحقيقة ان هذا الاتهام يعدّ جائرا حين يطلق على عواهنه بهذا الشكل، وهو محاولة تبريرية لتحرير المثقف من تحمل مسؤولية التنوير الاجتماعي. وتظل الحقيقة المرّة التي يحاول هذا المثقف الهروب من مواجهتها عبر اتهامه للصحوة بالتخلف، هي فشله في تقديم وصناعة خطاب تنويري تطويري مميز لا يصادم قيم المجتمع. بغض النظر عن موقفي الشخصي من الصحوة، أعترف بأنها نجحت في تقديم مشروع فكري أعمق واقوى تأثيرا على المجتمع من أي خطاب محلي أو خارجي، وكان لها ايجابياتها في عدد من النواحي الذي لا يحب الاعلام الليبرالي التطرق اليها منها:

أ- التعامل مع العادات والتقاليد

برغم تضخيم المثقف الليبرالي لحكاية "خلط  العادات والتقاليد بالاسلام"، وتلبيس هذه التهمة للصحوة كوسيلة لتمرير أطروحاته وأفكاره بذريعة أنه يسعى "لفصل العادات والتقاليد عن الاسلام الحقيقي". الا أنه لا يمكننا انكار حقيقة أن التيار المحافظ وقف في بداياته ضد العادات والأعراف وحاربها بضراوة حين كانت تعارض مفهومه للاسلام، وعمل على ازالتها ونجح في كثير من الجوانب. فنجد مثلا أنه قضى على عادات مجتمعية انتشرت في بعض مناطق المملكة اتسمت بالتساهل سواءً في حجاب المرأة أو اختلاطها بالرجال من اقاربها، وعمل التيار الديني على فرض الانفصال بين الرجل والمرأة، حتى تأثرت تصاميم المنازل والمباني والدوائر الحكومية بهذا الفصل

لا أذكر هذا التغير هنا بصفته ايجابي أو سلبي، بل للدلالة على أن الصحوة لم تترضخ للعادات والتقاليد وواجهتها حين اضطرت لذلك واستطاعت أن تصححها. الغريب أنك تجد المثقف الليبرالي تارةً يتباكى على هذه العادات ويصف الصحوة بتشويه المجتمع، وتارةً أخرى يرميها بخلط الاسلام بالعادات والتقاليد

ب - مواجهة انحراف الشباب

أنتجت الطفرة في الثمانينات حالة من البذخ والرفاهية، كان أحد أكبر سلبياتها التي ظهر فورا على المجتمع هو انحراف الشباب نتيجة توفر المال وأوقات الفراغ التي تم استغلالها بشكل سلبي. وكان للصحوة دور فعال في الأخذ بيد هؤلاء الشباب وتوجيههم واعادة تأهيلهم عبر محاضنها وملتقياتها، بل ان الصحوة سهلت اعادة دمج هؤلاء في المجتمع ووفرت لهم الوظائف فانخرط بعضهم في الهيئة وآخرون في مجال الوعظ، وساهمت في تقبل المجتمع لهم رغم ماضيهم. هذا الجهد الصحوي يستحق الشكر اذ وفرت على الدولة الكثير من الأموال التي كانت ستصرف لاعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع، كما حمت المجتمع من آثارهم السلبية

جـ- المرأة

ورغم أن المرأة اكبر قضية تعاير بها الصحوة اذ يرى البعض أنها ساهمت في شل حركة المرأة وحبسها، الا ان التيار الديني الصحوي قدّم في الحقيقة في بداياته رؤية حضارية لدور المرأة في المجتمع. فلم تعارض الصحوة في الأصل عمل المرأة خارج المنزل كما يردد المثقفون لسنوات حتى تم ترسيخه في وعينا وحتى انطلى الكلام على التيار الديني نفسه الذي بات مؤخرا يردد عبارات يفهم منها رفضه لعمل المرأة دونما حاجة وتفضيل بقاءها في البيت

يشير الكاتب عبدالعزيز الخضر في كتابه "السعودية: سيرة دولة ومجتمع" الى دور الشيخ سلمان العودة الريادي في الثمانينات والتسعينات في تشجيع عمل المرأة حتى أنه قال في أحد خطبه المسجلة يدافع فيها عن موقفه من عمل المرأة: "اننا حين ننصح المتدينات بترك الدراسة أو ترك مجالات العمل فاننا نسمح لفئات أخرى بأن تنمو وتتوغل داخل المجتمع ونضع سداً منيعاً أمام العنصر الوحيد الذي يمكن أن يساهم في تحجيم الشر والفساد"

والحقيقة أن المجتمع السعودي بطبيعته المحافظة في مرحلة ما قبل الصحوة كان ضد عمل المرأة خارج بيتها، لكن تيار الصحوة كان موقفه ايجابيا وغيّر نظرة المجتمع وشجع على عملها في المجالات المعزولة عن الاختلاط، ومشكلة الصحوة مع عمل المرأة لم تكن موقف معارض كما يطرحها التيار الليبرالي بقدر ما كانت مشكلتها في بيئة عمل المرأة وخلوها من الاختلاط

من الظريف أيضا - كما يذكر الكاتب عبدالعزيز الخضر في كتابه - ان الصحوة اقرّت رؤية المخطوبة في خطوة تعتبر تقدمية اذ كان العرف الاجتماعي يقتضي عدم رؤية المخطوبة أبدا

*                  *                *                

أخيرا أقول بأنني أكتب هذه التدوينة لنفسي أولا قبل غيري، ثم لأبناء جيلي (التسعينات وأواخر الثمانينات) ممن تفتح وعيهم بعد بدء تراجع ملامح الصحوة وضعف خطابها خصوصا مع اعتقالات التسعينات لبعض رموزها، ثم ما تلاها من هجمات سبتمبر وبداية ما سمي بالحرب على الارهاب. كل هذه الأحداث صاغت تصوراتنا عن الصحوة -خاصة وأننا لم نعاصرها وهي في أوج شعبيتها- الى أحد اتجاهين: اما المدح والتمجيد المبالغ به واعتبارها طريقة الاسلام الصحيحة ونهج الفرقة الناجية، أو الذمّ الجائر الذي يخلو من أي انصاف أو موضوعية. التصالح مع فترة الصحوة - التي تعد أحد أبرز مراحل التجربة الفكرية السعودية - بكل سلبياتها وايجابياتها سيساعدنا لتفكيك عقلية الصراعات في المجتمع، وتجاوز لغة الاستقطاب الحادة بين التيارات، وادارة خلافاتنا الفكرية بقدر أكبر من النضج والعقلانية





السبت، 27 أكتوبر، 2012

قانون التحرش الجنسي .. وصراع التيارات



قبل عدة اشهر قدّم مجلس الشورى السعودي مسودة مشروع لايجاد نظام يحمي المرأة من اضرار التحرش الجنسي، ويقرّ بتحديد عقوبات للمتحرش تشمل الانذار والغرامات المالية الكبيرة وصولا الى الجلد والسجن. فيما بعد تم استبعاد المشروع مع ضم قضية التحرش بالمرأة الى برنامج "الحماية من الايذاء للأسرة"

وكعادة كل المواضيع التي تتعلق بالمرأة، تحول النقاش حول اقرار قانون التحرش الجنسي الى لهيب صراع التيارات المسكون بالتعصب وسوء النية والحرص على الانتصار للذوات على حساب المصلحة العامة. وان كان موقف المحافظين ورفضهم للقانون باعتباره ضمن الاجندة التغريبية للمجتمع عجيبا وغير مفهوم، فالأعجب منه استبشار الليبراليين وترحيبهم المبالغ فيه واعتبار القانون انتصارا لهم ولفكرهم. وفي هذا الجو المتأزم تضيع الحقائق وسط المبالغات التي تتجاوز حدود المنطق والعقل، والتي يلجأ اليها كل فريق لدعم موقفه.

السؤال الحقيقي الذي من المفترض أن يطرح قبل الدخول في معمعة الجدل هو: هل يوجد تحرش جنسي في السعودية؟

والاجابة هي نعم بالتأكيد، قد نتجادل حول ما اذا كانت ظاهرة أو أزمة تهدد المجتمع، وقد يتعذر الاستشهاد بنسب دقيقة كما يحدث في الدول المتقدمة لعدة أسباب منها أن معظم خطايانا في الظلام لغياب الاحصائيات الموثوقة ولجوء ضحايا التحرش في العديد من الحالات الى الصمت واحجامها عن التبليغ أو التقدم بالشكوى لأسباب في غالبها اجتماعية. ومع ذلك فلا يمكن لأحد ان يزعم "ملائكية" المجتمع أو ينفي وجود التحرش، وحتى اولئك المحافظين الذين يرفضون قانون التحرش بحجة أنه لا توجد ضرورة له، هم أنفسهم من سيحدثونك عن الذئاب البشرية وأصحاب القلوب المريضة لو انتقل النقاش للحديث عن دور الهيئة. اذاً يمكن أن نسلم بأن الطرفين يقرّان بوجود حالات التحرش الجنسي في المجتمع بكل درجاته وأنواعه.

مشكلة المعارضين للقانون من المتحفظين أنهم نظروا اليه من منطلق صراعهم الأزلي مع التيار الليبرالي، وبالتالي فهم لم يفهموا القانون من حيث دوافعه ونتائجه، بل تعاملوا معه وفهموه على أنه مشروع تغريبي وأنه يهدف لتشريع الاختلاط وتقنينه كما عبّرت الدكتورة نورة السعد في رسالتها الى مجلس الشورى التي تطالبهم فيه بالغاء نقاش القانون وعدم اقراره. واذا تفهمنا أسباب اعتراض المحافظين ومخاوفهم، فاننا لم نفهم بعد الحل البديل الذي يقدّمونه للحدّ من حالات التحرش، بدلا من تركها تسبح في العموميات وتخضع لمزاج القاضي واجتهاداته. فلم تعد عبارة "تطبيق الشريعة" المستهلكة الفضفاضة تفي بالغرض، خصوصا اذا علمنا أن مفهومهم لتطبيق الشريعة هو منع المرأة من الاختلاط في بيئات العمل وحبسها في البيت كي لا تتعرض للتحرش، في تجاهل تام لحقيقة أن التحرش بات موجودا في كل مكان، في الاسواق والمستشفيات والشوارع وفي الحرم، بل حتى بعض البيوت لم تخلو من حالات تحرش المحارم. وبالتالي يتناسى هؤلاء أن غاية تطبيق الشريعة هو تحقيق المصلحة التي تساير حياة الناس لاالتصادم مع بديهيات واقعهم ومتغيراته، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار سنّ القوانين "الوضعية " التي تحمي المجتمع ضد المصلحة العامة.

وبالنظر من زاوية أخرى نجد أن فرض قوانين وأنظمة مدنية واضحة تحكم المجتمع وتردع المتحرش لن يتوقف تأثيرها على تعزيز الأمان وتهذيب التعاملات بين الناس فقط، بل سيمنح المرأة حق التعبير عن كيانها كفرد مكلف ومسؤول ومحاسبة كل من يتعدى عليها بالمضايقات أو الانتهاكات، وسيلغي تدريجيا ذهنية لوم الضحية السائدة في المجتمع والتي تفترض أن من تتعرض للتحرش تستحقه لأنها خرجت من منزلها أو لأنها لم تلتزم بالحجاب الكامل الخ. مما يعني أن السبب الحقيقي وراء تذمر المحافظين من سنّ مثل هذه القوانين، هي معرفتهم بأنها ستفقدهم مبررات تسلطهم على خلق الله بدعوى حماية الفضيلة، وتنهي ثنائية الذئب البشري/الفريسة التي تكّسب منها الخطاب الديني المحافظ ردحاً من الزمن، خصوصا حين يظهر تهافتها بالتزام الشاب السعودي بذات القوانين التي يلتزم بها حين يكون في دبي أو لندن والتي تجعله يخشى ان يرفع بصره لأي امرأة  تمر أمامه ناهيك عن التلفظ عليها خوفا من أن تتهمه بالتحرش بها وتعرّضه لعقوبات هو في غنى عنها

بقي أن أشير الى أن قانون التحرش الجنسي لن يكون الحل الجذري لسوء الخلق ولن يساعد في تغيير النفوس القبيحة، تماماً بنفس الطريقة التي لم يكن بها الوعظ الديني والوجداني وحده كفيلا بتنظيم العلاقات بين الناس، والمطالبة باتخاذ التدابير القانونية لا يعني بالضرورة الدعوة للتخلي عن الأساليب التي تهدف لتقويم سلوك الفرد سواءً بالتنشئة الدينية أو الوعظ الأخلاقي وغيره

:روابط أخرى 

http://whymecampn.blogspot.com/2012/10/re-publish.html

http://voicesofyoungsaudisoftheng.blogspot.com/2012/10/blog-post.html?utm_source=twitterfeed&utm_medium=twitter


الثلاثاء، 21 أغسطس، 2012

مملكة النساء .. حيث لا حول ولا قوة للرجال

حكمة: خير لنا أن نضحك على النائبة من أن نبكي منها      

عُرف فن التهكم والسخرية كوسيلة لتوجيه النقد، خاصة في ظل الأوضاع التي يكون فيها النقد مكبوتا بحواجز من السلطة المادية والمعنوية كما هو الحال في مجتمعاتنا، اذ يستحيل أن تنتقد بجرأة دون أن تصطدم بسلطة الحكومة أو سلطة الموروثات الدينية وربما أيضا بسلطة الأعراف والتقاليد. لكن التهكم الساخر لا يقتصر دوره على تورية النقد فقط، بل قد يتحول بأيدي دعاة الحرية الى سلاح للمقاومة والتحدي والاستهانة بسلطان القادرين وتعريتهم، خصوصا في أزمنة الانحطاط الفكري والتخلف الحضاري. ولعل التهكم هو الطريق الأكثر أمانا والأسرع وصولا للنفوس اذ تتعطش الجماهير له وتتقبله بسهولة

ورغم انتشار فن الفكاهة والتهكم وسط المجتمعات العربية منذ عقود، الا أنه تجلى مؤخرا وبوضوح أكثر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ورأت هذه المجتمعات في السخرية من أوضاعها ملاذا مؤقتا من أوجاع مشاعر السخط والاحباط، فأقسى أنواع الضحك هو ذاك الذي نضحك فيه من أنفسنا. وبطبيعة الحال، لم يكن المجتمع السعودي المتحفظ بطبعه بدعاً من غيره من المجتمعات العربية، ومن يراقب هاشتاقات أو وسوم السعوديين يجدها في غالبها تميل للفكاهة والسخرية

 أحد أجمل الوسوم التي لفتت انتباهي في هذا السياق، كان الوسم المعنون بـ (#مملكة_النساء ) والذي حوى سخرية لاذعة وجريئة من أوضاع النساء في مجتمع لا زال يرزح تحت طائلة السلطة الذكورية المدعومة دينيا وسياسيا، ويتخيل المغردون في هذا الوسم تحوّل السعودية الى مملكة تحكمها النساء، وبالتالي يفترضون الأدبيات التي كانت ستسود الثقافة الاجتماعية في مملكة النساء، والأخبار التي كانت ستتصدر وسائل الاعلام فيها. ولأنني أؤمن بأن الفكاهة فضيلة وأن السخرية طريق معبّد للتحرر، فتقبلوا مشاركتي لكم بعض هذه التغريدات الفكاهية لنضحك ونبكي معاً من أوجاعنا


























الأحد، 12 أغسطس، 2012

شكّكوا .. لتتحرروا


من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ظل في متاهات العمى   *حجة الاسلام الامام أبو حامد الغزالي



لطالما استوقفني الحديث النبوي الشريف (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودّانه أو ينصّرانه أو يمّجسانه) وهم بطبيعة الحال يؤسلمانه فينشأ المرء منّا سلفيا أو شيعيا أو زيديا أو صوفيا، بحسب ما يتربى عليه ويرثه عن أجداده وفقهائه، وبالتالي تحوّل الاسلام الى ايديولوجيا دينية أخرى. لكن المعنى الذي يمنحه الحديث النبوي لاسلام الفطرة ينسف التصوّر لمفهوم الاسلام اليوم، فالاسلام  الاصل هو الفطرة قبل أن تتحول لأيديولوجيا متوارثة .. وأن تكون على الفطرة يعني ان تغتسل سبعاً بفهم انساني حر من كل ما أنتجته المنظومة التقليدية تشريعيا وأورثتك ايّاه 

 هكذا فهمت "الاسلام"، أن تكون "مسلماً" - في تصوري- منحة سهلة يمنحها لك أبواك بنفس سهولة أن يولد اليهودي "يهوديا" أو ينشأ النصراني "نصرانيا"، لكن هل كونك ولدت "مسلما" يعني بالضرورة أنك انتميت للاسلام؟! وهل يمكن لجوهر الاسلام الأصل ان يورّث كما تورّث العادات والتقاليد والايديولوجيات؟؟

وكيف لي أن أعرف أنا المسلم الذي انتمي لطائفة معينة بأنني على حق دون سائر المسلمين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ودون سائر الأديان السماوية منها والأرضية؟! كلهم يظن أنه على حق .. وكلهم له من النصوص الدينية ما يدعم أقواله .. وكلهم يتعايش مع معتقده برضا فمن منّا على حق؟؟ وهل يمكن للحق ان يتعدد فنتساوى فيه كلنا؟؟

تساؤلات كهذه تقود لا محالة الى الشك ، وبدون هذا الشك لا يملك الانسان سوى موروثاته التي يحاول ان يرفعها الى  مرتبة اليقين عبثا، اذ أن اليقين لن يأتي الا بعد التيقن من حقائقك، والتيقن لا وصول اليه بدون شك. ولعل ديكارت هو أفضل من عبّر عن هذا المعنى حين شبّه العقل البشري بسلة التفاح التي تحوي التفاح الصالح والفاسد، والطريقة الوحيدة لتنقية التفاح هي عبر افراغ السلة، فنستبعد التفاح الفاسد ونبقي على الصالح. وكذلك العقل البشري يحتاج الى فحص كل ما يمتلئ به من مفاهيم وتصورات وافكار موروثة، فنقبل الصحيح منها ونرفض الخاطئ. واذا كان ديكارت قد توصل الى اليقين من خلال الشك، فقد فعلها الامام الغزالي قبله الذي أمضى شطرا طويلا من حياته باحثا عن الحقيقة الدينية، وكذلك فعل الدكتور مصطفى محمود الذي صاح ذات يوم بعد أن تجاوز شكوكه الى رحاب اليقين: لقد عرفت الله

لا عجب في أن يحارب الفكر الديني المؤدلج أي محاولات لاستخدام العقل والتساؤل، فيعمد الى تشويه قيمة الشك وتصويرها كصفة ذميمة وخطيئة، بل وربما قيل أنها مؤامرة تستهدف الاسلام. فالشك يؤدي الى التفكير، والتفكير قطعاً سيقود الى طرح أسئلة تفتح نوافذ جديدة للناس، وقد تكون هذه الأسئلة محرجة للسلطة الدينية المؤدلجة والقائمة على "احتكار الحق " وربما أدت بها للانهيار، وهذا ما لن يسمحوا به أبدا. وهم وان زعموا ذلك فان الاسلام - الذي يريدون احتكاره والحديث باسمه دون سواهم - لم يجرّم الشك أو التساؤل، بل نجد في القرآن دعوة عقلية وتأملية تدعو الى تبني الاسلام عقلا وارادة لا لمجرد التوارث والتقليد

"نحن أولى بالشك من ابراهيم" بهذه العبارة علّق المصطفى عليه السلام على سؤال سيدنا ابراهيم عليه السلام لربه أن يريه كيفية احياء الموتى، فسأله الله عز وجل " ألم تؤمن؟" فأجاب سيدنا ابراهيم "بلى ولكن ليطمئن قلبي ". وبرغم وضوح حديث المصطفى ووجوده في صحيح البخاري، فان الفكر الديني لا يتقبل الا تأويله لنفي احتمالية الدعوة الى الشك

الشك ليس الطريق الأمثل لليقين فحسب، بل هو أيضا الطريق الأمثل للانسان الحر للانعتاق من أوثان التصورات والمفاهيم المسبقة التي يتربى عليها في بيئته، لهذا أقولها بجرأة شكّكوا لتتحرروا، وتأكدوا من أن الحق لا يندحر أمام الباطل، فاذا ما اندحر ما كنّا نتصوره حقاً فلا شك أن فيه شئٌ من الضعف تجعله لا يرقى الى مرتبة الحق






الاثنين، 21 مايو، 2012

باب ما جاء في أن (نصرة الله) تبرّر الوسيلة مهما كانت


 خفتت الضجة التي أحدثتها التغريدة المكذوبة والمنسوبة للاستاذة حصة آل الشيخ، وبقيت الدروس والعبر التي تركتها لنا تلك الضجة. واذا كان الانسان يتعلم من المواقف والاحداث الواقعية التي يعايشها أكثر مما يتعلم من الكتب والمناهج النظرية الصمّاء، فان قيمة هذه المواقف والدروس المستنبطة من حادثة حصة آل الشيخ تزداد اذا كان المعلمون هم نخبة من فضلاء ومشاهير الساحة الدينية والثقافية

تعلمت من تلك الضجة أن تقديم حسن الظن والتريث والتثبت قبل اطلاق الأحكام، هي فضائل يحث عليها الاسلام في نصوص كثيرة، ولكنها تكون (غير ملزمة) اذا كانت الغاية المزعومة هي نصرة الله عز وجل. وفي سبيل هذه الغاية العظيمة لا يهم كثيرا أن نتثبت أو نتريث قبل الحكم بتكفير المعيّن وردته والتشهير به وتجييش الراي العام ضده





تعلمت أن المسارعة في التكفير هي ابراء للذمّة أولا، لا بد وان يسبق المطالبة بالمحاكمة الشرعية، ولا ندري ما عسى أن تحكم به هذه المحكمة الفقيرة الى الله وقد سبقها القوم في اصدار احكام التكفير والردة بل والمطالبة بقتل المرتد المعيّن بزعمه. وما على القاضي الا ان يبصم على ما سبق والا فقد يناله بعض ما نال المفتي من مزاعم بالمحاباة أو التقاعس عن نصرة الذات الالهية



وبرغم أن الاسلام أتى بمكارم الاخلاق ونهى عن فاحش القول وسئ اللفظ، الا أن هناك استثناء يتعلق بغاية نصرة الله عز وجل. حينها يجوز رمي المعيّن باسمه الصريح، والذي لم يثبت عليه القول المسئ، بالفسق والوضاعة وغيرها من الالفاظ. فلا عتب على بعض من يظنون أنهم يدافعون عن الدين بالتعليقات البذيئة في تويتر واليوتيوب والمنتديات، لأنهم بكل بساطة سبقوني الى تعلّم هذا الدرس القيّم من شيوخنا الأفاضل وسارعوا بتطبيقه



تعلمت ايضا أن اظهار الفرحة والشماتة جائز في سبيل نصرته جلّ في علاه


وأن استعداء الرأي العام واستنهاض همم الناس ضد السلطة السياسية، وأحيانا ضد السلطة الدينية ( متمثلة في سماحة المفتي)، في سبيل نصرة الله مما يتقرب به اليه عز وجل، خصوصا اذا لوحظ تريث أو ترويّ السلطات في معالجة القضية



ومما تعلمته أيضا أن النيل من أسرة فاضلة عريقة لها مكانتها، بسبب تغريدة مكذوبة نسبت لأحد أفرادها يجوز في سبيل الغاية الأعظم: نصرة الله عز وجل



لكن الدرس الأكثر قيمة كان على يد سماحة المفتي نفسه، فقد جسّد تصريحه المعتدل ما جاء به المصطفى عليه السلام من سماحة ورفق وحكمة، ورأينا عدل الاسلام في دعوة سماحته للتثبت والتريث وللأخذ بيد المسلم المخطئ ومناصحته والتماس العذر له، واذا ثبت على خطأه فتعزيره دون تشهير به أو تجريح له ولأسرته. وبالرغم أن كلام المفتي الذي يتعالى على فوضى التحريض والتجييش برّد قلوبنا، الا أن غياب هذه اللغة المعتدلة في قضية حمزة كشغري، والذي قضى -حتى الآن- أكثر من مئة يوم خلف القضبان دونما محاكمة عادلة أو استتابة، ورّث في نفوس الكثيرين - بنفس قدر الفرحة بهذا الموقف المتسامح- حسرة على ذاك النحيل اليافع



أختم تدوينتي باقتباسين من مقال للاستاذة حصة آل الشيخ نشر قبل عدة اشهر في جريدة الرياض بعنوان: أبواب الرحمة .. المشرعة .. المغلقة

في أجواء الكره نتحامل على الحق ونستدل بالباطل ونتنكب عن الحقيقة ونغشى طرق البغي والجهل، ولن تهنأ نفوس بغت الانتقام الا ان تبرد غلّها بالخبث، وليس يقابل منهج الله خبث كتقديم الكره على المحبة

 الكارهون لو بيدهم لنزعوا من التاريخ صفحات التسامح، وقنطوا المرء من رحمة ربه، فللدين قدرة للدفاع عن نفسه بالمنطق والحجة، وليس بالهمجية والعنف، ولن يرفع الدين الا لغة الله التي ذكّر بها نبيه بقوله تعالى "فاصفح الصفح الجميل" 

الجمعة، 23 مارس، 2012

السلفيون في مواجهة القضايا الكبرى - سلفيو مصر أنموذجا


بالرغم من أن المجموع الحضاري الغابر للمسلمين كان نتاج السلف الصالح الذين خرج منهم علماء أفذاذ وفلاسفة وأطباء ومفكرين وفقهاء مجددين، الا أن سلفية عصرنا المتأخرين لم يشابهوا سلفهم في التجدد والابداع واكتفوا بأن يكونوا سجناء نقولات وتفاسير الموتى من السلف، فسيطر النقل والتوقيف وبقية أدوات الخطاب الديني الوعظي على جميع مناحي حياتنا، وتلا هذا الجمود الاهتمام بصغائر الأمور وتوافهها على حساب ما هو أهم

ولأن العقلية السلفية المتأخرة التي تكونت عبر قرون الهزيمة والتخلف، شاركت وتحت وطأة قمع السياسي في مخططات تخدير الشعوب واشغالها بالقشور والشكليات طاعةً لولاة الأمر الذين حددوا لهم ملاعبهم ورسموا الخطوط الحمراء الممنوع تجاوزها، فقد فرخت لنا -هذه العقلية- مع مرور الزمان أجيال وأجيال من وعاظ السلفية المعاصرة الذين أصبح الناس يميزونهم بمسمى "شيوخ الحيض والنفاس" لانحصار فتاويهم عادة حول المرأة وخصوصياتها ولباسها وكل ما يتعلق بها. هؤلاء السلفيون لا يجيدون اللعب خارج الاطار الذي حدد لهم من قبل، لهذا كان أداءهم مخزيا بعد ان تفجرت براكين الربيع العربي، واستمر تعلقهم بثقافة القشور حتى بعد أن مكّنهم الله من السلطة واستطاعوا بفضل الله الوصول الى بعض البرلمانات العربية المنكوبة

نتيجة لذلك، نجد أن برلمان الثورة في مصر يتحول الى نكتة سياسية مستمرة بسبب القشوريين من نوابه، وبدلا من الانشغال بالقضايا العاجلة التي تواجه مصر في مرحلة حرجة سياسيا يتسلى النواب السلفيون باشباع ادمانهم لاثارة قضايا هامشية جانبية وجرجرة الشريعة من شكلها واقحامها في هذه الهوامش بشكل فج، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دماء الثوار الذين قتلوا في اشتباكات مع العسكر وزج بالمئات منهم في السجون وقدّم آخرون لمحاكمات عسكرية، يقدم نائب سلفي في برلمان يفترض انه صوت الثورة وبرلمانها مشروع طلب إحاطة عاجل لرئيس مجلس الشعب لحجب المواقع الإباحية من شبكات الإنترنت بمصر، وبينما يعجز هؤلاء النواب - كما ذكر الدكتور عمرو حمزاوي في احدى مقالاته - عن فرض مناقشة  قضايا ساخنة كالاعلان الدستوري الذي صاغه العسكر أو الضغط على الحكومة والمجلس العسكري لاستعادة أموال مبارك المجمدة في الخارج والتي قيل أنها تصل الى 11 مليار دولار، لا يجد النائب السلفي حرجا من تضخيم كلمة (حمار) التي وجهها النائب الشاب زياد العليمي للمشير فيطالب بتحويله لجلسة تحقيق وينشغل به ويشغل العامة والدولة والحكومة معه ويعزف على وتر خطابه الوعظي البكائي عن رفض اهانة رموز الدولة (ولاة الأمر الجدد) وعن وجوب اعتذار العليمي لسيادة وجلالة وفخامة وقداسة المشير طنطاوي، ولعدة جلسات تحظى كلمة (حمار) التي صدرت عفوية باهتمام برلمان الثورة في حين تهمل قضايا أهم


ولأن النائب السلفي يعجز عن التخلص من الارث الثقيل لثقافة القشور والاهتمام بالقضايا الجانبية، فما ان تهدأ معركة (الحمار) حتى يبادر في البحث عن جدلية أخرى تشغله، ويجد ضالته هذه المرة في دقيقة الحداد على روح البابا شنودة قبل بدء احدى الجلسات البرلمانية،  فعوضا عن مرور سريع لدقيقة واحدة، يضيع حضرةالنائب السلفي دقائق ودقائق لا حصر لها وهو يحتج على هذه (الدقيقة)، وعندما يغلبه رئيس البرلمان -الاخواني بالمناسبة- ويفرض الدقيقة رغما عنه لا يجد مفرا من الهروب من القاعة احتجاجا، وكالعادة تجرجر الشريعة من قفاها ويبرر السلفيون فعلتهم فيما بعد بأن (دقيقة الحداد) لا أصل لها في الشريعة

هكذا يعود المجتمع للانشغال بما أشغلهم به نواب القشور وتدور الحوارات البيزنطية وتبتذل الشريعة وهي تجرجر يمنة ويسرة من اجل عيون (الدقيقة)، كلٌ يدعي وصلا بها ويحاول جعلها في صفه والاستدلال بها لتدعيم موقفه. لكن المشهد الاشهر الذي سيدخل به برلمان الثورة المصرية التاريخ من بين مشاهد ومواقف وجلسات كثيرة هو مشهد ذاك النائب السلفي وهو ينهض في وسط الجلسة ليقطع النقاشات برفع آذان صلاة الظهر دون أن يأبه لاعتراض رئيس البرلمان الاخواني فيبادره الأخير بعد أن فاض به الكيل بالعبارة الشهيرة: يا أخ.. يا أخ لست أكثر منا ايمانا فلا تزايد علينا




هذا هو حال العقلية السلفية اذا تمكّنت ومنّ الله عليهم بدخول السياسة والبرلمانات، فارث العقود الماضية من احتراف الاستغراق في صغائر الأمور والاعراض عن كبائرها يصعب التخلص منه بين ليلة وضحاها. الغريب أن تجد بعض السلفيين يسوقون الحجج لتبرير اهتمامهم بالشكليات والقشور، فقد لفت انتباهي قبل فترة مقال طويل عميق للشيخ سليم بن عيد الهلالي بعنوان "الدين قشر ولباب"، والمقال في مجمله عجيب وفي تفاصيله أعجب، اذ يقول الشيخ أنه "لا يوجد في الدين قشرٌ ولباب بل كله مهم، وحتى لو كان هناك قشر ولباب في الدين فان اللباب لا يحفظ الا بالقشر، والا لفسد اللباب". ثم يمضي الشيخ في ايراد اقوال وأحاديث يستدل بها على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم أيضا بـ"القشور" وحزمهم في مسائلها دون أن يثنيهم ذلك عن الخوض في "اللباب". وبذلك يسطّر شيوخ الحيض والنفاس فصلا جديدا في مرمطة الشريعة انتصارا لفكرهم الهامشي

بل انهم باتوا يعدّونها مفخرة يرفعون بها الرأس عاليا، وكان الشيخ السلفي الحويني قد سرد مآخذه على مفتي الجمهورية د. علي جمعة عقب خلافهما الشهير فذكر من ضمنها: "والرجل لم يتكلم يوما في اولويات المواطن العادي كالنقاب وحرمة التبرج ولم يؤلف كتابا واحدا حول هذه الموضوعات". هنا يتوصل الشيخ الحويني الى نتيجة منطقية لطيفة وهي أن هذه الشكليات ما دامت تشكّل اهتماماته فلابد وأنها ضمن اولويات المسلم العادي الذي لا تثنيه مشاغل الحياة والبحث عن لقمة العيش من وضع "النقاب" و"التبرج" و"السفور" في قائمة أولوياته

والى أن يتخلص السلفيون من ارث عميق الجذور في الاهتمام بالقشور والشكليات ستظل الشريعة تجرجر ونحن معها نجرجر في جدالات بيرنطية لا تقيم نهضة ولا تبني حضارة

الاثنين، 12 مارس، 2012

تمخضت الثورة فولدت... حربا أهلية (4)

هامش: لست مؤرخة وما أكتبه مجرد قراءة مبسطة لتاريخ معقد متشابك



في يناير 1991 وتحت زخم الثورة الشعبية المسلحة، فرّ سياد بري ومن معه من مقديشو الى اقليم جيدو في جنوب غرب الصومال حيث تقع قاعدة قوية لعشيرته. وأعلن الجنرال محمد فارح عيديد سيطرته التامّة على مقديشو، وشهدت الخمسة اشهر التالية من يناير وحتى مايو محاولتين فاشلتين قادهما سياد بري للعودة الى السلطة ولكن قوات الجنرال عيديد كانت له بالمرصاد. وفي مايو 1991 ادرك بري زوال حكمه نهائيا ففرّ الى كينيا أولا ولكن جماعات المعارضة في نيروبي احتجت على وجوده فيمّم شطر نيجيريا، حيث عاش هناك حتى وفاته في 2 يناير 1995 عن 76 عاما

الصومال في دوامة الحرب الاهلية


جبهة واحدة.. وفصيلين مسلحين

في 28 يناير 1991، وفي الوقت الذي كانت قوات الجنرال عيديد لا تزال تلاحق بقايا فلول سياد بري وتحبط محاولاته الفاشلة لاستعادة السيطرة على مقديشو، صدر بيان رسمي عن الجبهة التي ينتمي اليها الجنرال عيديد (المؤتمر الصومالي الموحد) يعلن تعيين علي مهدي محمد رئيسا مؤقتا للدولة، وعمر عارتيه (سياسي مخضرم وعضو سابق في البرلمان الصومالي قبل انقلاب سياد بري وأول وزير خارجية لحكم سياد بري وينتمي لقبيلة الاسحاق في الشمال) رئيسا للوزراء. وفي ذات الوقت، أعلن الجنرال محمد عيديد والذي كان حينها يرأس المجلس العسكري للثورة في العاصمة رفضه لهذا التعيين، وعلى اثر هذا الموقف انقسمت الجبهة الى فصيلين مسلحين، أحدهما تابع للجنرال عيديد والآخر لعلي مهدي.، ولم تفلح الجهود لاحتواء الفصائل المتنازعة. فشهدت مقديشو في 17 نوفمبر أول قتال مسلح ينشب بين الطرفين، وشكّل ذلك بداية دخول الصومال لدوامة الحرب الأهلية التي مالها قرار


من هو الجنرال محمد فارح عيديد



ولد في بلدوين في إقليم هيران عام 1934م، وهو - كما سبق وأشرنا اليه في التدوينة السابقة - كان رجل الحسم في النضال المسلح ضد نظام سياد بري، وهو أيضا أحد أهم أطراف الحرب الاهلية التي نشبت بعد سقوط النظام. الجنرال محمد عيديد قائد عسكري مخضرم شهد له أعداؤه قبل أصدقائه، وعرف بشجاعته واقدامه وكان يشارك في الحروب بنفسه جنبا الى جنب مع جنوده. ومما يؤسف له أن رجلا بصفاته المميزة لم يعرف سوى لغة البندقية والرصاص سبيلا للتفاهم، وقاد تعنته الشديد الى سفك مزيد من الدماء وتطور الحرب الاهلية

من هو علي مهدي محمد



ولد في مدينة عدلي إحدى قرى محافظة شبيلي الوسطى القريبة من العاصمة مقديشو عام 1938 وكان أصغر نائب في أول برلمان صومالي يتأسس بعد الاستقلال، بعد انقلاب سياد بري على الحكم ابتعد عن السياسة وتفرغ للتجارة، وفي غضون سنوات كان أحد ابرز تجار الصومال ويمتلك فنادق فخمة في مقديشو. في نهاية الثمانينات ومع بدء أفول نجم سياد بري كان علي مهدي من ضمن مجموعة من المثقفين والمفكرين الذين وقعوا عريضة تطالب الرئيس باصلاحات واسعة، فطاردهم الأمن القومي واعتقل بعضهم في حين فرّ بعضهم الآخر وكان علي مهدي ممن فرّوا الى اثيوبيا. انضم الى جبهة المؤتمر الصومالي التي كان يترأسها الجنرال محمد عيديد، وعيّنه المجلس رئيسا للصومال في 1991. يعتبره كثيرون الرئيس الرابع للصومال وأول رئيس بعد الثورة، ويراه آخرون رجلا ركب الثورة وتسلل الى السلطة من الباب الخلفي مستغلا انشغال الجنرال عيديد بالحرب الطاحنة مع نظام سياد بري

انفصال الاقليم الشمالي وتأسيس صوماليلاند

مع استمرار الحرب الدامية بين الفصائل المتنازعة في مقديشو، قرر الاقليم الشمالي المطلّ على خليج عدن في البحر الأحمر والذي دفع القسط الأكبر من فاتورة الثورة ضد نظام سياد بري أن يداوي جراحه بعيدا عن حروب الاخوة الاعداء. وفي 18 مايو 1992 اعلنت حركة اس ان ام انفصالها عن الصومال الكبير بذات حدود الصومال البريطاني قديما وتأسيس دولة صوماليلاند وعاصمتها هرجيسا التي عانت الامّرين، وتم انتخاب السياسي المخضرم ورئيس حركة اس ان ام عبدالرحمن تور كأول رئيس لجمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد

وقد أفرد تدوينة لظروف تأسيس صوماليلاند وتاريخها ان سنحت الظروف باذن الله

مجاعة 1992 والتدخل الأمريكي

تسبب فقدان الأمن بعد سقوط الحكومة المركزية وانقلاب الثوار الى فصائل مسلحة تقاتل فيما بينها الى تعرض الصومال لأول مجاعة من نوعها في تاريخه في عام 1992، وسجلت تقارير اغاثية آنذاك عن معاناة ما يقارب 30 الف مدني من المجاعة ووفاة أكثر من 10,000 منهم.، فأعلن في ديسمبر 1992 عن هدنة ووقف لاطلاق النار واعتبر المجتمع الدولي منطقة جنوب الصومال "منطقة كارثة" وتدفقت الهيئات الاغاثية والمنظمات. وكردة فعل عالمية على هذه الأوضاع المأساوية، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على القرار رقم 794 في 3 من ديسمبر عام 1992 وقد نص على تكوين قوة حفظ سلام بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وسميت يونيتاف وتهدف في المقام الأول الى الإغاثة الإنسانية ومحاولة اقامة السلام بين الفصائل المتنازعة. وصلت قوات الأمم المتحدة في بداية 1993. وكان الرئيس جورج بوش الاب قد وافق على ارسال قوات الجيش الامريكي في مهمة قصيرة انسانية بالدرجة الأولى أو كما قال "سينهون المجاعة ثم يرحلون" لكن الرئيس بيل كلينتون الذي خلفه على الرئاسة قام بتمديد الوجود الأمريكي في الصومال لمدة سنتين

في البدء، احتلت قوات الجيش الامريكي مع قوات حفظ السلام المبعوثة من الأمم المتحدة ميناء مقديشو وسارعت بتوزيع المعونات الغذائية العاجلة على المواطنين الصوماليين مما أراح الجميع. وشيئا فشيئا بدأت تظهر الدوافع الحقيقية للغزو الأمريكي الذي تنكر تحت ستار الامم المتحدة وتبين تخطيطهم لاقامة حكومة موالية برئاسة علي مهدي والقضاء على عيديد الذي رأت فيها أمريكا معارضا قويا لن يخضع لأجندتها، وكانت الصومال بالنسبة لأمريكا تشكل أحد أهم المنافذ الذي يمكّنهم من التحكم بممرات الشحن البحري العالمي (منفذ خليج عدن في البحر الأحمر والمحيط الهندي) ولطالما كان بناء قاعدة عسكرية في الصومال مطمح الساسة الأمريكان


بدأت بوادر الكره للقوات الأمريكية والتي كان قوامها 18 الف جندي تظهر على السطح، لكن الأحداث تسارعت عندما قامت واشنطن بارسال قواتها إلى مقر الإذاعة والتلفزيون الصومالي في محاولة مكشوفة لفرض الحكومة الموالية لها على الشعب الصومالي الذي رفض هذه الخطوة ورفض تواجد الأمريكيين على أرضه، و بدأت الإستخبارات الامريكية في جمع كل المعلومات المتاحة عن الجنرال عيديد بهدف تصفيته، تلاه حدث تعرض مقر القيادة العامة للقوات الأمريكية الى قنابل يدوية قيل أن وراءها مجهولين، لكن الادارة الأمريكية وجهت اتهاماتها المباشرة لقوات الجنرال عيديد، ثم ردت بتدمير وقصف حي كامل بمقديشو مما فجر الكراهية في قلوب آلاف المدنيين الذين سارعوا بحمل السلاح لمواجهتهم

وسرعان ما توالت الأحداث سريعا فأعلن الجيش الامريكي أن الحرب ضده يقف وراءها الجنرال عيديد وطالبوا برأسه وهدد كيرك كوكر الناطق العسكري باسم القوات الأمريكية عبر شاشة التلفاز بكل عنجهية قائلا أن القوات الأمريكية لن تهدأ ولن ترتاح حتى تعتقل الارهابي محمد فارح عيديد. وفي 3 أكتوبر 1993 وصلت معلومات من مصادر موثوقة إلى الأمريكيين بأن الجنرال عيديد وحشد من ضباطه ومساعديه سوف يعقدون إجتماعاً في مكان تم تحديده في إحدى أنحاء العاصمة مقديشو، فتوجهت قوات خاصة للاحتلال تساندهم المروحيات إلى منطقة الإجتماع بقصد إلقاء القبض علي عيديد أو تصفيته وكل معاونيه، وهاجم الأمريكان المبنى الذي يعقد فيه الاجتماع بكل إستخفاف ليكتشفوا بعد فوات الأوان أن كميناً كان قد نصب لهم


دارت معركة شرسة استخدم فيها الأمريكيون كل مالديهم من أسلحة وعتاد ضد المقاتلين الصوماليين المسلحين ببنادق عتيقة وبعض الأسلحة المضادة للدروع، وتمكنت قوات الجنرال عيديد من اسقاط 5 مروحيات و18 قتيلاً و 73 جريحا للأمريكيين، الذين لم يتوقعوا أبداً أن تسقط لهم خمس طائرات مروحية من طراز بلاك هوك في وقت واحد، وانطلق المدنيون الصوماليين ينتقمون من الجثث الأمريكية بسحلها في شوارع المدينة في مشهد مرعب تناقلته وسائل الاعلام العالمية نقلا عن محطةُ "سي إن إن" التي تفردت بالتغطية آنذاك، وأمام الحادثة المروعة بادر الرئيس بيل كلينتون الى سحب القوات الامريكية وانهاء العملية العسكرية والتي أسماها سلفه جورج بوش الأب بعملية "الأمل الجديد"، ورغم الخسائر الصومالية الكبيرة إلا أن الصوماليين تمكنوا من كسر العنجهية الأمريكية واصابوا كبرياءهم في مقتل، وتركت تلك الأحداث آثارها طويلا في السياسة الأمريكية اذ اشتبه الامريكان بأن الجنود الايطاليين ضمن بعثة الأمم المتحدة كانوا يمدون يد العون خفية لمساعدة عيديد على قتالهم، كما قامت هوليوود بصنع فيلم عن تلك الاحداث الفظيعة بعنوان: سقوط بلاك هوك 

 في 3 مارس 1995 انتهت مهمة قوات حفظ السلام المبعوثة من الأمم المتحدة بفشل ذريع لم تتمكن فيه من اعادة الامن أو تشكيل الحكومة المركزية، وتركت الصومال نهبا للفصائل المتنازعة وأمراء الحرب

مرحلة ما بعد 1995 ومقتل الجنرال عيديد

في أوائل العام 1996 م توفي الجنرال محمد فارح عيديد إثر جراح بالغة أصابته أثناء إحدى المعارك ضمن أتون الحرب الاهلية ليتم تنصيب ابنه حسين عيديد خلفاً له في قيادة المليشيا عقب عودته من الولايات المتحدة الأمريكية. طموح الجنرال رحمه الله بأن يكون يوما من الأيام رئيسا للصومال ولو بالقوة العسكرية أودى بالبلد للانهيار، ولكنه تمكن من دخول الذاكرة الصومالية بكونه الرجل الذي ألحق الهزيمة بالقوات الأمريكية


كان حسين عيديد أكثر مرونة من أبيه، فأعلن في ديسمبر عام 1997م ما سمي بإعلان القاهرة في المصالحة بين علي مهدي وحسين عيديد، وفي عام 1998م أعلن عن خطة لتقاسم السلطة في مقديشو والمصالحة الشاملة بين فصائل الجبهة المتنازعة وكانت هذه بادرة ايجابية دلت على قرب انفراج الأمور، وفي عام 2000م خاض علي مهدي انتخابات رئاسة الصومال في مؤتمر عرته الذي أقيم بجيبوتي، لكنه لم يجد أصواتا كثيرة،  وأصبح عضوا في البرلمان الانتقالي وتولى الرئاسة عبدالقاسم صلاد تلاه عبدالله يوسف

ومع استمرار معارك الكر والفر بين امراء الحرب، دخلت الصومال في دوامة جديدة مع ظهور المحاكم الاسلامية وبدء ما سمي بالثورة الاسلامية في مقديشو