الأحد، 12 أغسطس، 2012

شكّكوا .. لتتحرروا


من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ظل في متاهات العمى   *حجة الاسلام الامام أبو حامد الغزالي



لطالما استوقفني الحديث النبوي الشريف (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودّانه أو ينصّرانه أو يمّجسانه) وهم بطبيعة الحال يؤسلمانه فينشأ المرء منّا سلفيا أو شيعيا أو زيديا أو صوفيا، بحسب ما يتربى عليه ويرثه عن أجداده وفقهائه، وبالتالي تحوّل الاسلام الى ايديولوجيا دينية أخرى. لكن المعنى الذي يمنحه الحديث النبوي لاسلام الفطرة ينسف التصوّر لمفهوم الاسلام اليوم، فالاسلام  الاصل هو الفطرة قبل أن تتحول لأيديولوجيا متوارثة .. وأن تكون على الفطرة يعني ان تغتسل سبعاً بفهم انساني حر من كل ما أنتجته المنظومة التقليدية تشريعيا وأورثتك ايّاه 

 هكذا فهمت "الاسلام"، أن تكون "مسلماً" - في تصوري- منحة سهلة يمنحها لك أبواك بنفس سهولة أن يولد اليهودي "يهوديا" أو ينشأ النصراني "نصرانيا"، لكن هل كونك ولدت "مسلما" يعني بالضرورة أنك انتميت للاسلام؟! وهل يمكن لجوهر الاسلام الأصل ان يورّث كما تورّث العادات والتقاليد والايديولوجيات؟؟

وكيف لي أن أعرف أنا المسلم الذي انتمي لطائفة معينة بأنني على حق دون سائر المسلمين باختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ودون سائر الأديان السماوية منها والأرضية؟! كلهم يظن أنه على حق .. وكلهم له من النصوص الدينية ما يدعم أقواله .. وكلهم يتعايش مع معتقده برضا فمن منّا على حق؟؟ وهل يمكن للحق ان يتعدد فنتساوى فيه كلنا؟؟

تساؤلات كهذه تقود لا محالة الى الشك ، وبدون هذا الشك لا يملك الانسان سوى موروثاته التي يحاول ان يرفعها الى  مرتبة اليقين عبثا، اذ أن اليقين لن يأتي الا بعد التيقن من حقائقك، والتيقن لا وصول اليه بدون شك. ولعل ديكارت هو أفضل من عبّر عن هذا المعنى حين شبّه العقل البشري بسلة التفاح التي تحوي التفاح الصالح والفاسد، والطريقة الوحيدة لتنقية التفاح هي عبر افراغ السلة، فنستبعد التفاح الفاسد ونبقي على الصالح. وكذلك العقل البشري يحتاج الى فحص كل ما يمتلئ به من مفاهيم وتصورات وافكار موروثة، فنقبل الصحيح منها ونرفض الخاطئ. واذا كان ديكارت قد توصل الى اليقين من خلال الشك، فقد فعلها الامام الغزالي قبله الذي أمضى شطرا طويلا من حياته باحثا عن الحقيقة الدينية، وكذلك فعل الدكتور مصطفى محمود الذي صاح ذات يوم بعد أن تجاوز شكوكه الى رحاب اليقين: لقد عرفت الله

لا عجب في أن يحارب الفكر الديني المؤدلج أي محاولات لاستخدام العقل والتساؤل، فيعمد الى تشويه قيمة الشك وتصويرها كصفة ذميمة وخطيئة، بل وربما قيل أنها مؤامرة تستهدف الاسلام. فالشك يؤدي الى التفكير، والتفكير قطعاً سيقود الى طرح أسئلة تفتح نوافذ جديدة للناس، وقد تكون هذه الأسئلة محرجة للسلطة الدينية المؤدلجة والقائمة على "احتكار الحق " وربما أدت بها للانهيار، وهذا ما لن يسمحوا به أبدا. وهم وان زعموا ذلك فان الاسلام - الذي يريدون احتكاره والحديث باسمه دون سواهم - لم يجرّم الشك أو التساؤل، بل نجد في القرآن دعوة عقلية وتأملية تدعو الى تبني الاسلام عقلا وارادة لا لمجرد التوارث والتقليد

"نحن أولى بالشك من ابراهيم" بهذه العبارة علّق المصطفى عليه السلام على سؤال سيدنا ابراهيم عليه السلام لربه أن يريه كيفية احياء الموتى، فسأله الله عز وجل " ألم تؤمن؟" فأجاب سيدنا ابراهيم "بلى ولكن ليطمئن قلبي ". وبرغم وضوح حديث المصطفى ووجوده في صحيح البخاري، فان الفكر الديني لا يتقبل الا تأويله لنفي احتمالية الدعوة الى الشك

الشك ليس الطريق الأمثل لليقين فحسب، بل هو أيضا الطريق الأمثل للانسان الحر للانعتاق من أوثان التصورات والمفاهيم المسبقة التي يتربى عليها في بيئته، لهذا أقولها بجرأة شكّكوا لتتحرروا، وتأكدوا من أن الحق لا يندحر أمام الباطل، فاذا ما اندحر ما كنّا نتصوره حقاً فلا شك أن فيه شئٌ من الضعف تجعله لا يرقى الى مرتبة الحق






هناك 3 تعليقات:

  1. ما ذكر عن معنى الحديث وما المقصود بالفطرة التي يولد عليها الإنسان ؛ غير صحيح. فالمراد بالفطرة هنا:
    ما أودعه الله في الإنسان من الإيمان به سبحانه ، فكل مولود من بني آدم يولد ، فهو مقر بالله متجه بفطرته إليه سبحانه ، فهو لا يحتاج لأن يُلقنَ ذلك أو يُعلَّم ، فهذه ملة الإسلام التي يولد عليها الإنسان ، دون دخول مؤثرات عليه تتمثل في تهويده أو تنصيره أو تمجيسه ، فالشرائع التفصيلية التي يجب على الإنسان إمتثالها ( التي تمثل اتصال الإنسان بربه ) لم يُوجبها الله عليه إلا ببلوغه .

    الإسلام هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،وهو الدين الذي ارتضاه الله للناس ، فما جاء بعده من العقائد كالتشيع والتصوف فهو باطل .

    ردحذف
    الردود
    1. الايمان فطري قطعا وهي ملة الاسلام كما ذكرت في كلامك .. أما المؤثرات التي قد تدخل على هذه الفطرة وتفسدها مثل التهويد والتنصير والتمجيس فهي مثلها مثل مؤثرات التشيع أو التصوف أو التسنن بمختلف أنواعه سواء كان تسنن وهابي أو تسنن أزهري الخ فكلها تدخل في هذه الفطرة وتغيرها.

      كل الفرق التي تذكرها يا أخي ترى أن اسلامها هو الاسلام الذي كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وأنه الدين الذي ارتضاه الله للناس .. وكأنك يا بوزيد ما غزيت

      حذف
  2. الشك هو أصل الإيمان

    بعضهم يقول اللهم ارزقنا إيمانا كإيمان العجائز, إيمان بسيط و هنا أتذكر قصة حدثت للإمام الفخر الرازي حينما ألف كتابا فيه ألف حجة لإثبات وجود الله و دحض ألف شبهة. فحمله أهل الري على الأعناق يحتفلون به, فرأته عجوز و قالت لماذا يحملون هذا الرجل؟ فأخربت بأمره. فقالت: كان حري بهم أن يرجموه لأنها ما ألف هذا الكتاب إلا وعنده ألف شك في وجود الله.

    لمثل هذه القصص يهلل البعض و يقولون ( اللهم ارزقنا إيمان العجائز) فهو إيمان بسيط و لكنه معرض للإنتكاس و الهز العنيف مع أقرب شبهة. و بالفعل بقدر ما تعلم تتحرر و تزداد لله خشية و بقدر ما تجهل تستعبد. و يكفى قوله تعالى (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )).

    ردحذف