الاثنين، 3 أكتوبر، 2011

مســكيــن !

 احدى روائع انطوان بافلوفيتش تشيخوف بتصرف
___________________________________________

نزلت من مقر الشركة مزهوا فخورا بنجاح صفقة عمل جديدة.. هأنا أقترب أكثر وأكثر من حلمي بأن اصبح عضوا بمجلس الادارة في الشركة الاضخم في السعودية.. يا الله! خطوات بسيطة باتت تفصلني عن المنصب الذي سيصل بي الى قمة حياتي المهنية.. ما أجمل أن تكون أقرب الى حلمك!!

أسير بتمهل في الكاراج الذي يضم سيارات فخمة تعود للمدراء التنفيذين وموظفي الشركة من اصحاب المناصب الرفيعه فيها.. هناك مرآب اصغر حجما لبقية الموظفين العاديين.. كنت محظوظا حين سمح لي باستخدام هذا المرآب لأنه يعزز من وجودي في الشركة ويرفع من مكانتي فيها. ألمح (حبيب) يباشر مهامه في غسل احدى السيارات، وحبيب هو العامل الباكستاني المسكين الذي يعمل في غسل وتنظيف السيارات مقابل أجر مادي بسيط. كان بصدد بدء غسل احدى السيارات وقد بدأ يرشها بالمنظف وعلى بعد خطوات منه وتتناثر أدوات عمله.. الدلو الصغير  وقطع الاسفنج المخصصه للسيارات والمناشف

ناديته بصوت جهوري لطالما عرفت به: حبييييييب تعال الى هنا

يسرع صاحبنا ناحيني وقبل ان يصل اليّ أسمعه يقول: لقد غسلت سيارتك "كويس" يا بابا
" لاحظت ذلك يا حبيب.. لا بأس عليك.. ناديتك هنا لأحاسبك يا رفيق.. أعلم أنك خجول وغلبان ولن تطلب المال مرة أخرى بعد أن طلبته مني مرتين الاسبوع الماضي وتجاهلتك.. ولكنني أعلم ايضا انك بحاجه اليه وهو حقك.. تعال يا صديقي.. ادنُ مني لنتحاسب"
        أنهيت كلماتي تلك بعد أن فتحت باب السيارة وجلست على الكرسي وأخرجت دفترا صغيرا اسجل به بعض مشترواتي من درج السيارة.. "اذاً يا حبيب.. راتبك الذي اتفقنا عليه هو 60 ريالا في الشهر"
حبيب يقاطعني بحماس: 80 يا بابا
أرد عليه بنبرة مرتفعه: بل 60.. أنا أدفع دوما 60 ريالا للمسؤولين عن تنظيف سيارتي
 حبيب يصمت وينتظر بترقب
" عملت عندي ثلاثة أشهر ولم أدفع لك بعد"
" ثلاثة اشهر واسبوع"
مرة أخرى يقاطعني بحماس أقل، فأرد عليه بنبرة غضب واضحه: بل هي ثلاثة أشهر يا حبيب.. لقد سجلت كل شئ هنا

يتقبل حبيب كلامي ويهز رأسه موافقا فأتابع حديثي:
المجموع اذاً 180 ريال.. تستحق منها 156 ريالا فأنت لا تعمل يوم الجمعه ولهذا لن أحسب أيام العطل
لم ينبس حبيب بأي كلمة، ونطلع الى وجهي صامتا فأكملت حساباتي:
وايضا اجازة اليوم الوطني.. وثلاثة ايام لم احضر فيها للشركة بسبب سفري الطارئ.. المجموع حتى الآن 148 ريالا يا صاحبي
ملامح حبيب تتغير ووجهه بدأ يتلون بالأصفر ويداه تعبثان في جيبه ومع ذلك لم يقل شيئا، ولهذا واصلت كلامي:
تغيبت أنت يومان بسبب مرضك كما قلت لا نحسبهما.. تمام؟!
احمرت عينه اليسرى وارتعشت شفتاه ومع ذلك لم يقل شيئا
"  ماذا عن ذلك المنظف الذي دلق منك بعضه بالخطأ داخل السيارة فترك بقعا على مقاعد السيارة؟ هذا تقصير منك ولهذا سأخصم منك 40 ريالا مع ان الضرر أكبر من ذلك المبلغ.. ولكن سامحك الله "
سعل حبيب في عصبية واهتزت يده ومع ذلك حافظ على صمته واكتفى بهز رأسه، ولم أتوقف انا عند ذلك الحد:
مجموع الراتب اذاً 100 ريال.. وفي 5 ديسمبر اخذت مني 10 ريالات. أليس كذلك؟"
همس بصوت متهدج: لم آخذ
" لم تأخذ.. ولكنه مسجل عندي هنا.. ارأيت؟ كل شئ مسجل هنا"
قال حبيب باستسلام: طيب.. فليكن
واصلت أنا" هذا يعني أن أجرك بعد الخصم انخفض الى 90 ريالا فقط في الثلاثة أشهر السابقة
ظهرت حبات العرق على أنفه وعاد يقول بصوت خافت:
بابا.. انا اخذت منك 5 ريال فقط قبل يومين لانني احتجت الى تلك الريالات.. ولم آخذ منك شيئا آخر.. اقسم لك
قلت بدهشة: لقد ذكرتني.. أنا لم أسجل ذلك.. لا بأس.. سأخصمه منك فيصبح المبلغ 85 ريالا.. مضبوط؟! ها هي نقودك يا رفيق


ومددت له يدي بالمبلغ فتناوله في صمت بأصابع مرتعشة ولم ينسى أن يقول: شكرا بابا
 ثم أدار ظهره لي ومضى لعمله، غلى الدم في عروقي غضبا ونزلت من السيارة ووأنا أناديه في عصبية: حبيب.. شكرا على ماذا بالضبط؟
استدار لي ببطء وأجابني بتهذيب: على الفلوس.. شكرا لك
" لكنني سرقتك.. نهبتك.. ظلمتك.. لم أعطك مالك كله"
ابتسم ابتسامة شاحبه ستظل تزورني في كوابيسي وأجابني: على الأقل اعطيتني بعضه.. غيرك لم يعطني شيئا
" لم يعطوك.. لماذا؟ انه حقك وعرق جبينك.. خذ هذا مالك كاملا.. 240 ريالا"
استلمه مني بهدوء فعدت اقول في غضب: لماذا هذا العجز؟ لماذا هذا الهدوء؟ لماذا لا تعترض وتطالب بحقك؟ لماذا تسكت يا حبيب؟ هل أنت مغفل؟
لم يقل شيئا لكن عيناه قالتا الكثير
وحين مشى من أمامي، تطلعت اليه للحظات وأنا أفكر: يا الـــــهي! ما ابشع أن تكون ضعيفا في هذه الدنيا !   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق