الخميس، 1 مارس، 2012

تحت حكم سياد بري (2)

هامش: لست مؤرخة وما أكتبه مجرد قراءة مبسطة لتاريخ معقد متشابك 

أتيت الى مقديشو وليس فيها الا طريق واحد معبّد بناه الايطاليون، اذا أجبرتموني على التخلي عن السلطة فسأترك المدينة كما جئتها أول مرة.. لقد أتيت بسلطة البندقية، ووحدها البندقية يمكنها ازاحتي -  سياد بري


في الستينات سرت موجة الانقلابات العسكرية العالم العربي وهددت أغلب الجمهوريات والملكيات آنذاك، واستطاع العسكر في دول عربية أخرى كليبيا واليمن وسوريا والعراق من الوصول الى الحكم والتربع فوق السلطة. والصومال لم تكن استثناءً، وكانت على موعد مع العسكر في 3 نوفمبر 1969 م.

في 15 اكتوبر 1969، اغتيل الرئيس الصومالي عبدالرشيد شرماركي  رحمه الله على يد أحد حراسه الشخصيين في حادثة غامضة لم تعرف أسبابها، وبعد عدة ايام استمر فيها الجدل بين البرلمانيين على التوافق حول رئيس جديد، أعلن الجنرال سياد بري -وكان حينها قائد الجيش الصومالي-  تشكيل مجلس لقيادة الثورة (المقصود بالثورة انقلابه على الحكم) يترأسه هو شخصيا، واستولى بموجبه على مقاليد الحكم في البلاد منهياً عهدا قصيرا من الحكم المدني الديموقراطي


وفي عام 1969 م والذي شهد أحداثا مشابهة كوصول معمر القذافي الى كرسي الحكم في ليبيا، تقبل الصوماليون الفجر الاسود الذي حمله لهم سياد بري وارتضوا الخط السياسي الجديد الذي انتهجه ملغياً كل جهود أسلافه من قبله لبناء صومال ديموقراطي، وكانت من أهم ركائز فترة حكمه

 الغاء الأحزاب السياسية وتشكيل حزب جديد بمسمى "الحزب الوطني الاشتراكي الثوري" يترأسه شخصيا ويحكم البلاد عن طريقه، وجدير بالذكر أن الحزب يحوي في غالبيته العظمى عضوية جنرالات القوات المسلحة

ايقاف العمل بالدستور الاول

تبني نظام الاشتراكية الماركسية

وضع أسس اقتصادية جديدة تقوم على الاشتراكية

وكان حكم سياد بري يحظى بدعم وتشجيع من الاتحاد السوفييتي الذي وقعّ مع الصومال معاهدة صداقة وتعاون بين البلدين عام 1974م ، وأيضا بدعم الرئيس المصري جمال عبدالناصر الذي فتح له الطريق الى الجامعة العربية والأمم المتحدة


ملامح من حكم سياد بري
 
في عهده  تم إنشاء شبكة من البنوك والأسواق التجارية في مقديشو وإقامة الصناعات الأساسية في المحافظات (الأسمنت في بربرة والأسماك في لاسقوري والملابس والمنسوجات في بلعد والسكر في مريري واللحوم والخضار في كسمايو والكيماويات والألبان في مقديشو)، كما قاد سياد بري مشروع كتابة اللغة الصومالية التي كانت تُنطق ولا تكتب، وشجع عملية "صوملة" التعليم بعد أن كان التعليم باللغة الانجليزية

  وفي عهد سياد بري تم إنشاء التلفزيون الصومالي  بدعم من دولة الكويت، وربط جميع المدن الرئيسية بشبكة من الطرق الحديثة بدعم من جمهورية الصين، وتوصيل الكهرباء والماء وبناء المدارس والمراكز الطبية ومراكز الاتصالات في جميع المحافظات. بالاضافة الى تطوير ثلاثة موانيء رئيسية هي ميناء مقديشو - ميناء بربرة - ميناء كسمايو




والحق يقال أن الكثيرين ممن لا زالوا يتباكون على ديكتاتورية سياد بري يبالغون في تضخيم انجازاته، فكل هذه الانجازات من انشاء للتلفزيون الصومالي أو انشاء جامعات ومدارس وبنوك تجارية وغيرها انما كانت بتأثير النهضة في عهد ما بعد الاستعمار والعولمة وتقريبا كل دول العالم العربي شهدت انجازات مماثلة في ذات الفترة ولو كان غيره يحكم الصومال آنذاك او لو استمر الحكم المدني ولم يستولي عليه العسكر لشهدت الصومال انجازات أكبر. ثم ان اغلب من يتباكون على تلك الفترة اذا ما عرضنا عليهم تجارب مماثلة بل وأرقى تشهدها الآن دولة صوماليلاند الوليدة في أقصى شمال القرن الافريقي نجدهم يستسخفونها فلماذا اذاً يطالبون الشعب الصومالي الذي ذاق الويل من عهد سياد بري ان يتباكى عليه لمجرد أنه انشأ تلفزيونا أو بنى مدرسة

بذات المنطق نجد أشباه هؤلاء يتباكون على القذافي أو علي عبدالله صالح أو غيرهم ممن ابتليت بهم الأمة لمجرد أن عهدهم شهد بناء مستشفيات أو ترصيف شوارع

العلاقات الخارجية لنظام سياد بري

كان لسياد بري دور هام في استقلال جيبوتي (اقليم الصومال الفرنسي) عام 1977 وعزز هذا من العلاقات الثنائية وأواصر القرب مع الاخوة الصوماليين في جيبوتي. وربطته علاقات وثيقة بجمال عبدالناصر الذي عرف عنه مناصرته ودعمه للانقلابات العسكرية في العالم العربي، واستمرت العلاقة الوثيقة مع انور السادات ولهذا عارض المقاطعة العربية لمصر بعد كامب ديفيد وبشدة، كما دعم الثورة الاريترية وانفصالها عن اثيوبيا، وتمتع بقرب ودعم الرئيس السوداني جعفر نميري والاماراتي الشيخ زايد والملك السعودي فهد وكل هؤلاء دعموه كثيرا فيما بعد سواء في حربه ضد اثيوبيا أو أثناء الثورة التي أطاحت به. في المقابل كانت علاقته سيئة تصل الى حد الشقاق مع النظام الأسدي السوري ومع الفصائل الفلسطينية خصوصا بعد ان سمح للكوماندوز الالماني باقتحام طائرة المانية اختطفها الفلسطينيون ولجأوا بها لمطار مقديشو الدولي

مراحل مفصلية في حكم سياد بري

في عام 1977 م كانت الحرب الصومالية- الاثيوبية والتي شكلت مرحلة مفصلية في حكم سياد بري، وكان سبب الحرب محاولة سياد بري لتحرير اقليم اوجادين - الاقليم الخامس لدولة الصومال- والذي تنازل المستعمر البريطاني عنه لاثيوبيا قبل رحيله مكافأة للدعم الاثيوبي للحلفاء في الحرب العالمية الثانية

وبعد تأسيس دولة الصومال المستقلة تمت عدة مفاوضات بين الصومال واثيوبيا بخصوص الاقليم المحتل اوجادين لم تسفر عن شئ، حتى جاء سياد بري فزادت حدة التوتر بين الطرفين اثيوبيا والصومال ووصلت الى أوجها في عام 1977 مع اندلاع الحرب بينهما

في 12 يونيو 1977 شنّت القوات الصومالية بالتعاون مع جبهة تحرير الصومال الغربي الهجوم على القوات الاثيوبية في اوجادين والتي لم تتوقع هجوما كهذا وبالتالي لم تكن مستعدة للتصدي له. وتمكنت القوات الصومالية من التغلغل مع ضعف التصدي الاثيوبي وتحرير ما يقارب 90% من أراضي اوجادين، ويقال ان الهجوم الصومالي لم يتوقف الا على مشارف مدينة هرر لنفاذ الذخيرة والمؤن

لكن سرعان ما تدارك الاثيوبيون الهزيمة، وشنّوا هجوما مضادا بدعم لامحدود من أمريكا والاتحاد السوفييتي ودولة اليمن الجنوبية. وكان دعم السوفييت لاثيوبيا نتاج غضبهم من سياد بري الذي بدأ حربه مع اثيوبيا دون استشارتهم. الدعم السوفييتي لاثيوبيا شكّل ضربة قاصمة لنظام سياد بري الذي لم يفلح في الحفاظ على مكتسباته الأولية في الحرب بالرغم من دعم مصر ودول الخليج له، وتابعت القوات الصومالية تراجعها وانسحابها حتى عادت خالية الوفاض الى مقديشو

كان من تداعيات هذه الحرب انتهاء "شهر العسل" بين السوفييت وسياد بري، فأوقف السوفييت امداد الصومال بالذخائر والأسلحة، وطرد بري كل الخبراء والمواطنين السوفييت من الصومال ومزق معاهدة الصداقة والتعاون. كما نشأ نوعٌ من التوتر والخلاف بين مصر التي دعمت الصومال وبين السوفييت تجاوزه الطرفان سريعا

من ناحية أخرى، فان هذه الحرب الخاسرة لم تخلو من تبعات ثقيلة لعل اهمها كان التبعات الاقتصادية الهائلة خصوصا بعد خسارة الدعم السوفييتي، وبرغم توقيع بري على عقد للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي، ومحاولته لالغاء بعض الاحتكارات الحكومية وزيادة الاستثمارات العامة وتقديمه لمشروع خفض الانفاق العسكري - وسط معارضة شديدة من الجيش الصومالي - الذي كان يستهلك ما يقارب 60% من اقتصاد الصومال الا ان التدهور الاقتصادي استمر مع تزايد الغضب الشعبي المكبوت وشكّل هذا بداية أفول نجم سياد بري





بالنار والحديد

كعادة الزعماء الاستبداديين في كل مكان، عانى سياد بري من مرض العظمة فأطلق على نفسه العديد من الألقاب كان أشهرها "الأخ سياد" و"القائد المنتصر"، وكان التغني بأمجاده وعزّه آناء الليل والنهار واجب فرض على كل مواطن صومالي، بل ان تلاميذ المدارس كانوا يجبرون كل صباح على ترديد نشيد "القائد المنتصر سياد بري" 




من ناحية أخرى، فان وصف "الديكتاتورية القمعية" أقل كلمة يمكن ان توصف بها فترة حكم سياد بري بما حدث فيه من انتهاكات لحقوق الانسان ، بما في ذلك اضطهاد وسجن وتعذيب المعارضين السياسيين.  حتى ان هيئة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي اعتبرت 21 سنة التى حكمها سياد بري تنطوي على واحد من أسوأ سجلات انتهاك حقوق الإنسان في أفريقيا. كما نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا مفصلا يوثق أساليب التعذيب التي ارتكبها جهاز الأمن القومي بتوجيهات منه شملت عمليات الإعدام و الضرب والصعق بالصدمات الكهربائية ، وتهديدات بالقتل، ونشرت أيضا تقارير أخرى تشير الى تعرض سكان الريف وقبائل البدو  لعمليات منظّمة من القتل والاعتقال التعسفي والاحتجاز في ظروف بائسة ، والتعذيب، والاغتصاب، وتقييد حرية التنقل والترهيب النفسي

في سبتمبر 1970 ، وضعت الحكومة قانون الأمن الوطني رقم 54 ، التي منحت السلطة حق اعتقال واحتجاز اى شخص إلى أجل غير مسمى دون احالتهم للمحاكمة وكان ضحايا ذلك القانون هم أولئك الذين عبروا عن آراء تنتقد الحكومة. كما أطلق سياد بري يد الأجهزة الأمنية لاستغلال المادة رقم واحد من القانون لتصفية المعارضين السياسيين وهي المادة التي كانت توجب عقوبة الاعدام المباشر بدون محاكمة لمن يثبت عليه القيام بافعال معادية تستهدف وحدة الاستقلال أو أمن الدولة

مع أفول نجم سياد بري وازدياد المقاومة المحلية  شكّل سياد بري وحدة شبه عسكرية سميت بميليشيات بري قيل انها نفذت عمليات ارهابية منظمة تقريبا ضد عشائر وقبائل بعينها خصوصا قبائل الاقليم الشمالي (دولة صوماليلاند الآن) واستثنيت من تلك العمليات الاجرامية العشيرة التى ينتمى اليها الرئيس وتسببت هذه الجرائم بأحقاد بين القبائل كان لها أثرها في اندلاع الحرب الاهلية فيما بعد. ومن الجرائم التي سجلت ضد ميليشيات سياد بري قيامهم بتحطيم خزانات المياه التى كانت مركز الحياة لبعض الصوماليين و قطعانهم وموت أكثر من 2000 مواطن صومالي من العطش ، وفي عهده تم توثيق قتل ما يقدّر بنحو 5000 مواطن صومالي من قبل الحكومة، واغتصاب أعداد كبيرة من النساء، وقيل أن ما يقارب 30,000 من الصوماليين هاجروا الى اثيوبيا وبلاد أخرى 



ملحوظة: كل هذه الجرائم والأرقام من فترة ما قبل الثورة لأن البعض للاسف نسي فظائع ما قبل الثورة ولا يذكر الا تداعيات الثورة فيما بعد

وكانت الثورة
بدأت بوادر الكفاح المسلح ضد سياد بري من بداية الثمانينات لكن الثورة بزخمها الشعبي لم تنفجر الا في عام 1988 وكانت الشرارة في مدينة هرجيسا المناضلة التي دكّت بالقذائف وتمت تسويتها بالأرض. في التدوينة القادمة سأسجل بعض ملامح الثورة المسلحة التي أكلت ابناءها فيما بعد 

هناك 8 تعليقات:

  1. الله يرحمه اين كان الصومال واين انتهى به الحال اليوم؟
    كلنا عندنا اخطاء واغلاط ولا شخص معصوم من الخطأ الا الانبياء اللهم اغفر له وارحمه واغسله بالماء والبرد
    مهما كان القائد محمد سياد بري قاسيا الا انه حافظ على وطنه وبلاده ووحدتها رحمه الله

    ردحذف
  2. الرحمة لا تجوز على الطغاة حتى بعد موتهم والله عز وجل لعنهم في كتابه الكريم الى يوم القيامة.. الا لعنة الله على الظالمين.. الا لعنة الله على سياد بري ما تعاقب الليل والنهار

    ردحذف
    الردود
    1. وهل شققت عن قلب محمد سياد بري حتى تعرف انه كافر ام مسلم؟؟
      اسال الله السلامه لك يا اخي العزيز احذر ان تقول كلمه تهوي بك في جهنم 70 خريفا وتذكر ان الله اعلم بعباده وانه غفور رحيم اسال الله ان يغفر لنا اجمعين

      حذف
    2. من اين استدللت من كلامي انني اكفره؟ لا اكفره مع ان الكثير من العلماء الافاضل اتفقوا على تكفيره وادلتهم في ذلك بينة واضحة.. اما أنا فلعني له ولأشكاله انما هو بسبب طغيانهم وهذه لا احتاج لشق القلب فيها اذ يكفي جرائمهم ودمويتهم للحكم عليها
      الرجاء الكتابة بأسماء واضحة بدل المعرفات المجهولة وشكرا

      حذف
    3. يا اخي العزيز هو طاغيه وهو جبار وصارم وقاسي لا نختلف على هذا الشيء
      لكن مثل ما يقول المثل( حاكم ظلوم ولا فتنه تدوم )
      ومهما عمل ومهما صنع فقد انتقل الى رب غفور رحيم فهو اعلم بحاله ان شاء غفر له وان شاء عذبه واسف على الاطاله

      حذف
  3. يحكمنا دكتاتور ولانكون دولة بلا حكومة

    ردحذف
  4. شكرا لسيدة ahlam safi لنشر هذه التاريخ لان اوضحتي تاريخ في الواقات المظلمة التي مرت في اوقات الشعب الصومالاندي ( ناس الشمال يمعنى ما كان يعرف قبل 1991 شمال الصومال ). ولا بد من قراءة هذا المقال . وأرا أشخاس قاموا بتعليق هذا مقال وانهم مؤيين لكافر حاسد المجرم ظالم سياد بري واظن انهم بقايا سياد بري ابو الجهل.

    ردحذف
  5. يا اخواني الاعزاء
    صحيح سياد كان مستبد وقاسي بس كان وطني يحب وطنه وكان
    افضل من الصعاليك ذولي الي ما شفنا ولا خير منهم باعوا الوطن يثمن بخص لعنهم الله
    وبعدين لو ركزنا وفكرنا قليلا ليش لمدة 25 سنه مافيش دولة يا اخي سياد سقط انتهاء
    امره ليش يستخدمو اسمه ذريعه لفشلهم راجعوا انفسكم
    (الله يرحمك ابو مصلح ) الوطن ضاع بعدك

    ردحذف