الجمعة، 2 مارس، 2012

وكانت الثورة........ (3)

هامش: لست مؤرخة وما أكتبه قراءة مبسطة لتاريخ معقد ومتشابك

حرص الاعلام العربي بتوجيهات من الزعماء العرب على استهجان الثورة الصومالية والاستهتار بأثرها والاكتفاء بالاشارة اليها بوصف "تمرد قبلي مسلح"، ولعله ليس مفاجئا أن نجد أن معظم المراجع العربية حتى اليوم لا تزال تتحدث عن "تمرد قبلي صغير" وعن "عصابات مسلحة" و"انفصاليين همج" برغم مرور أكثر من عشرين عاما على تلك الأحداث التي أطاحت بحكم سياد بري. والحقيقة أن الثورة قد بدأت بتكتلات قبلية مناطقية في البداية حيث كانت شرارتها في الاقليم الشمالي، لكن ما كان لها ان تستمر أو تسقط النظام لو لم تتضافر الجهود وتشارك بها جميع فئات وقبائل المجتمع الصومالي، ولا يمكن تحييد الدور القبلي في معارضة سياد بري خصوصا في بلد يقوم اساسه الاجتماعي على التكتلات القبلية، حتى حركات المعارضة التي نشأت في ظل سياد بري ميّزتها هويتها القبلية

الجبهة الديموقراطية لانقاذ الصومال Somali Democratic Salvation Front (SDSF)

نشأت في عام 1978 وتعتبر أول حركة معارضة تنشأ في ظل حكم سياد بري وتتخذ اديس ابابا  مقرا لها، وكانت تتكون من سياسيين قدماء ورجال دولة ووزراء أغلبهم من قبيلة المجرتين ممن فقدوا امتيازاتهم السياسية جرّاء الانقلاب العسكري يترأسهم العقيد عبدالله يوسف. تسرّعت الجبهة بتنفيذ محاولة انقلاب فاشلة في عام 1979 وباستخدام دبابات وأسلحة اثيوبية، بعد فشل الانقلاب دبت الخلافات بين أعضاء الجبهة، واستغل سياد بري هذه الخلافات فسارع بعقد مصالحات مع بعض الأطراف دون سواهم وعاد عددٌ كبير من اعضاء الجبهة الى مقديشو منشقين عن الجبهة. وبالرغم من الدعم الواسع الذي حظيت به الجبهة من اثيوبيا وليبيا باعتبارها أول حركة معارضة لبري الا انها فشلت في تنظيم نفسها وأضعفتها الانشقاقات الداخلية ولم تصمد لمواجهة النظام

الحركة الصومالية الوطنية The Somali National Movement (SNM)
واذا كانت جبهة انقاذ الصومال عجزت عن مواجهة النظام، فان اس ان ام (الحركة الصومالية القومية) أنجزت الكثير وكان لها دور مباشر وأساسي في صنع الثورة. تأسست الحركة الصومالية الوطنية في لندن في 1980 على يد الشيخ يوسف بن الشيخ علي مطر وتكونت من نخبة من المثقفين ورجال الأعمال ورجال الدين والوزراء الدبلوماسيين السابقين الذين فروا من الصومال بعد تولي سياد بري لمقاليد الحكم، وأتى تشكيل الحركة كثمرة لجهود التوعية وحملات التعبئة التي قام بها مثقفون ورجال دين داخل الصومال وخارجه ضد النظام مما جعل المواطن الشمالي أكثر تقبلا واستعداد لمعارضة النظام من غيره من الصوماليين آنذاك. كانت الحركة في مجملها تتكون من ابناء قبيلة الاسحاق ومن قبائل أخرى تنتمي للاقليم الشمالي (صوماليلاند الآن) حيث كان الاقليم الشمالي أكثر الأقاليم معاناة من جبروت سياد بري وقمعه، فلم يكن مفاجئا أن يكون الشمال مهد الثورة وشرارتها

وبرغم أن مؤسسي وأعضاء الحركة ينتمون الى النخبة المثقفة من أبناء الاقليم الشمالي، الا أنهم اعلنوا بدء الكفاح المسلح وبرروا ذلك بعدم جدوى طرق المعارضة السلمية مع النظام الدموي، ولعله ظهر لهذا القرار مساوئ فيما بعد أكثر من محاسنه. اذ لعب نظام سياد بري على وتر القبلية وقيل بأنهم يسعون للانفصال وأن اثيوبيا تدعمهم لاثارة الفوضى في البلاد، وبرغم أن الأحداث ما بعد الثورة قادت الى الانفصال وكان لذلك القرار ظروفه، الا أن الحركة في ذلك الوقت لم تكن لها أي نزعة انفصالية وكان الهدف الوحيد هو الاطاحة بنظام سياد بري

بعد عام تقريبا، تولى الجناح الداخلي للحركة الوطنية الصومالية تشكيل معسكر تدريب للحركة في اثيوبيا، واعتبرت هذه الخطوة جريئة وتاريخية تلاها نداء للمواطنين الصوماليين عامة وأبناء الاقليم الشمالي خاصة للانتظام في صفوف الحركة وبدء التدريبات القتالية والعسكرية في اثيوبيا استعدادا للكفاح المسلح، واعتمدت الحركة في تمويلها على الجاليات الصومالية في أوروبا والخليج العربي كما استفادت من اثيوبيا التي منحتها قاعدة للانطلاق والتدريب. منذ ذلك التاريخ شهد الجيش الصومالي هروب وانشقاق عدد من الضباط خصوصا من أبناء الاقليم الشمالي والتحاقهم بصفوف الحركة في اثيوبيا للمساعدة في تدريب الكوادر الشبابية، من هؤلاء العقيد أحمد طاهر والعقيد أحمد كاهن محمد والعقيد عبدالله عسكر وغيرهم

يوما بعد يوم، كانت شعبية الحركة تزيد في الاقليم الشمالي وعدد المنضمين الى كوادرها من الطلبة والشباب القروي العاطل في ازدياد مطرد، وكردة فعل متوقعة زادت وتيرة القمع والاضطهاد. بعد مرور عام آخر، في 1983 بدأت الحركة تنفيذ اولى عملياتها العسكرية، فعبرت الحدود الاثيوبية وهاجمت كتيبة من القوات الصومالية التابعة لنظام سياد بري، والحقت بهم خسائر فادحة كما استولت على الدبابات وذخائر الأسلحة ومعدات الاتصال، وزاد نجاح هذه الهجمة العسكرية من معنويات الحركة



فيديو نادر يعرض جزءا من تدريبات الحركة على الكفاح المسلح في الثمانينات

في 12 ابريل 1983، نفذ مقاتلو الحركة عملية انقاذ مذهلة لتحرير العقيد عبدالله عسكر الذي القي القبض عليه من قبل ميليشيات سياد بري اثناء تأديته لمهمة سرية في هرجيسا، وتعرض العقيد لتعذيب وحشي في قاعدة شديدة التحصين تابعة  للجيش الصومالي. وفي اليوم التالي لالقاء القبض عليه، فوجئت ميليشيات النظام بهجوم منظّم نفذّه 8 مقاتلون من الحركة أسفرت عن تحرير العقيد ومقتل واصابة عدد من جنود سياد بري بدون أن تلحق اي خسائر بصفوف الحركة. النجاح الباهر لعملية "انقاذ العقيد" جعلت سياد بري يعي خطورة التهديد الذي تشكله الحركة أكثر من ذي قبل وزاد من الدعم الشعبي الذي تحظى به من الصوماليين في الداخل والخارج.  وكان من تداعياتها أن فُرض على مدينة هرجيسا شبه حصار على المواد الغذائية والوقود، وتم حرمان أهلها من الحصول على امدادات المياه خلال مواسم الجفاف، اذ اعتقد سياد بري أنه اذا زادت معاناة الشماليين سيتخلون عن دعم الحركة


صورة نادرة للعقيد عبدالله عسكر الذي تم تحريره في عملية انقاذ العقيد

ما بين يونيو 1985 وفبراير 1986، قالت الحركة الوطنية الصومالية أنها نفذت  أكثر من 30 عملية ضد ميليشيات بري المتواجدة في شمال الصومال وتسببت في مقتل 476 جنديا حكوميا وجرح 263، كما تمكنت من الحصول على 11 سيارة ودمرت 22 سيارة أخرى تابعة للحكومة، في حين لم تسجل خسائر سوى 38 من الرجال وسيارتين، وأشار مراقبون مستقلون الى أن هذه الأرقام قد تكون مبالغا فيها

المواجهة الكبرى

 كان لعودة العلاقات الصومالية-الاثيوبية أثرها في تعجيل المواجهة الكبرى، وفي 4 ابريل 1988 وقّع الرئيسان الاثيوبي والصومالي بيانا مشتركا اتفقا فيه على اعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتبادل أسرى الحرب والتوقف عن دعم الحركات المعارضة لكلا الطرفين، وكان على حركة اس ان ام أن تواجه امتحانا عسيرا لاثبات مقدرتها على استمرار الكفاح بعد فقدان الدعم الاثيوبي وطردها من الأراضي الاثيوبية

 في أواخر مايو 1988 وبعد صدور قرار الطرد من الأراضي الاثيوبية، تحركت وحدات الحركة الوطنية الصومالية من مخيماتهم وشنت هجوما واسع النطاق في الاقليم الشمالي، وتمكنت وسط ترحيب ودعم ومساندة الأهالي من تحرير مدينتي بربره وهرجيسا. هذه النجاحات المبكرة عززت من نفوذ الحركة الوطنية الصومالية الشعبية، وسارع الآلاف من قبيلة اسحاق والفارّين من نظام سياد بري للانضمام الى صفوف المقاتلين. وتمكنت الحركة من تقوية وجودها بعد سيطرتها على سيارات عديدة مثل تويوتا لاند كروزر وبي آم، بالاضافة الى عدد لا بأس به من الاسلحة الخفيفة والرشاشات وبنادق عديمة الارتداد وقاذفات الصواريخ كلها تعود للحكومة

قصف هرجيسا وبربره

ردة فعل سياد بري لم تتأخر كثيرا، وسرعان ما جنّد معظم ترسانة الجيش الصومالي وميليشياته معلنا الحرب ضد "المتمردين"، وانطلقت الطائرات والمدفعيات تدك مدينتي هرجيسا وبربرة وتقصفها ليلا نهارا. سارع الاهالي بالنزوح من المدينتين الى ريف الصومال والقرى الصغيرة، وبلغ من وحشية ميليشيات سياد بري أن كان الطيارون يتتبعون الأهالي النازحة ليقصفوهم، مع علمهم الأكيد بأن هؤلاء لا يقاتلون في صفوف الحركة وانما هم من الأطفال والنساء والشيوخ النازحين عن القتال الدائر. وفي الخارج، كان نظام سياد بري يحظى بدعم لامحدود من الدول العربية خصوصا السعودية ومصر وكانت الآلة الاعلامية العربية تشيع في كل مكان أن ما يجري في الصومال عبارة عن مواجهة مع جماعات انفصالية ترفض وحدة الصومال وتتخذ من مدينتي "بربرة" و"هرجيسا" معقلا لهما، وصدق الزعماء العرب الداعمون لسياد بري ما صدقه هو ايضا بأن الحسم سهل وزهيد الثمن، وان المجاميع الصغيرة المتمردة لن تقوى على مواجهة الطغمة العسكرية، وكان سياد بري يكرر أثناء الأحداث "هذا درس بسيط لكل صومالي سيفكر بحمل السلاح ضدي فيما بعد" لكن الدرس الذي خلّده التاريخ فيما بعد كان بدم وارادة الشعب لا الطغمة العسكرية

فيديو يوضح مقابر جماعية تم اكتشافها فيما بعد تضم رفات أهالي هرجيسا الذين قضوا نحبهم اثناء ثورة 1988

انها الابادة يا ابن عمي.. انها الابادة

أشار الكاتب عبد القادر ارومو  في كتابه "سبب انهيار الصومال " الى أن أقل ما يمكن أن يوصف به قصف سياد بري وميليشياته للاقليم الشمالي هو "الحرب الشاملة" وكان المستهدف قبيلة الاسحاق التي بادرت بالتصدي له واشعال شرارة الثورة، ويذكر الكاتب أن صمت بقية العشائر الصومالية لمدة عامين من 1988 وحتى 1990 حين كانت هرجيسا وبربره تتعرضان لحرب شاملة ورّث في قلوب الشماليين حسرة وعداء نتج فيما بعد عن تفكك الشمل الصومالي وانفصالهم بذات حدود الصومال البريطاني السابق. يذكر الكاتب أنه من السهل على كثير من الصوماليين الحديث عن الصومال الموحد والمطالبة بنسيان الماضي في حين لا زال بعضهم يتحسرعلى ايام سياد بري ولا يعترف بفداحة ما قام به من تصفية عرقية للاقليم الشمالي ثم بعدها يستنكر ذات الأشخاص النزعة الانفصالية للشماليين

وسيرى الزائر لميدان الحرية في مدينة هرجيسا اليوم طائرة مقاتلة من طراز ميغ الذي كان يشارك في القصف قيل ان المقاتلين أسروها ووضعت في ميدان الحرية كنصب تذكاري يعبر عن تلك الفترة السوداء من تاريخ الصومال


المؤتمر الصومالي الموحد United Somali Congress (USC)

تأسست هذه الحركة التي تضم قيادات من سياسيين وضباط سابقين في الجيش الصومالي من قبائل الهويه التي تسكن مقديشو وما حولها، وكان لهذه الحركة التي تشكلت عام 1989 في روما بقيادة الجنرال محمد فارح عيديد التأثير الاكبر في عملية الحسم، اذ قادت الكفاح المسلح من وسط العاصمة مقديشو ودفعت قبائل الهويه للثورة مساندة لاخوانهم الشماليين ودقت المسمار الأخير في عرش الديكتاتور سياد بري. بدأت الحركة عملياتها العسكرية في قلب العاصمة مقديشو وما حولها من مدن عام 1990 قبل 6 اشهر من السقوط الأخير لسياد بري، وشكّل ظهور الحركة في الوقت الذي كانت ترسانة وميليشيات النظام مشغولة بسحق التمرد الشمالي ضربة قاصمة لم يستفق منها النظام سريعا خصوصا وأن الزخم الثوري الذي قاده الجنرال عيديد كان شديد الاندفاع وسرعان ما وصل الى قصر الجمهورية واضطر سياد بري الى الهرب نحو نيجيريا حيث قضى هناك ما تبقى من عمره وتوفي عام 1995


       الجنرال محمد فارح عيديد

في التدوينات القادمة نتابع القاء الضوء على تداعيات الثورة واندلاع الحرب الأهلية ودخول الصومال في نفق مظلم

هناك 4 تعليقات:

  1. ما شاء الله تبارك االه قرائة ممتازة و فاحصة للماضي.. أهنئك على هذه المدونة و استمري.

    ردحذف
  2. ... سرد جميل للاحداث ومتسلسل للاحداث التاريخية ..
    اضفتي لي الكثير مما كنت اجهل ..
    قلمك جميل ننتظره من المزيد .. في انتظار القادم
    تحيأأأأتي

    ردحذف
  3. سوسن المشاكسة24 مارس، 2012 1:49 ص

    هع هع خلاص قلبتي مؤرخة الله يخلف على عقلك

    ردحذف
  4. رائعة ولالو .. استمري

    ردحذف