الاثنين، 12 مارس، 2012

تمخضت الثورة فولدت... حربا أهلية (4)

هامش: لست مؤرخة وما أكتبه مجرد قراءة مبسطة لتاريخ معقد متشابك



في يناير 1991 وتحت زخم الثورة الشعبية المسلحة، فرّ سياد بري ومن معه من مقديشو الى اقليم جيدو في جنوب غرب الصومال حيث تقع قاعدة قوية لعشيرته. وأعلن الجنرال محمد فارح عيديد سيطرته التامّة على مقديشو، وشهدت الخمسة اشهر التالية من يناير وحتى مايو محاولتين فاشلتين قادهما سياد بري للعودة الى السلطة ولكن قوات الجنرال عيديد كانت له بالمرصاد. وفي مايو 1991 ادرك بري زوال حكمه نهائيا ففرّ الى كينيا أولا ولكن جماعات المعارضة في نيروبي احتجت على وجوده فيمّم شطر نيجيريا، حيث عاش هناك حتى وفاته في 2 يناير 1995 عن 76 عاما

الصومال في دوامة الحرب الاهلية


جبهة واحدة.. وفصيلين مسلحين

في 28 يناير 1991، وفي الوقت الذي كانت قوات الجنرال عيديد لا تزال تلاحق بقايا فلول سياد بري وتحبط محاولاته الفاشلة لاستعادة السيطرة على مقديشو، صدر بيان رسمي عن الجبهة التي ينتمي اليها الجنرال عيديد (المؤتمر الصومالي الموحد) يعلن تعيين علي مهدي محمد رئيسا مؤقتا للدولة، وعمر عارتيه (سياسي مخضرم وعضو سابق في البرلمان الصومالي قبل انقلاب سياد بري وأول وزير خارجية لحكم سياد بري وينتمي لقبيلة الاسحاق في الشمال) رئيسا للوزراء. وفي ذات الوقت، أعلن الجنرال محمد عيديد والذي كان حينها يرأس المجلس العسكري للثورة في العاصمة رفضه لهذا التعيين، وعلى اثر هذا الموقف انقسمت الجبهة الى فصيلين مسلحين، أحدهما تابع للجنرال عيديد والآخر لعلي مهدي.، ولم تفلح الجهود لاحتواء الفصائل المتنازعة. فشهدت مقديشو في 17 نوفمبر أول قتال مسلح ينشب بين الطرفين، وشكّل ذلك بداية دخول الصومال لدوامة الحرب الأهلية التي مالها قرار


من هو الجنرال محمد فارح عيديد



ولد في بلدوين في إقليم هيران عام 1934م، وهو - كما سبق وأشرنا اليه في التدوينة السابقة - كان رجل الحسم في النضال المسلح ضد نظام سياد بري، وهو أيضا أحد أهم أطراف الحرب الاهلية التي نشبت بعد سقوط النظام. الجنرال محمد عيديد قائد عسكري مخضرم شهد له أعداؤه قبل أصدقائه، وعرف بشجاعته واقدامه وكان يشارك في الحروب بنفسه جنبا الى جنب مع جنوده. ومما يؤسف له أن رجلا بصفاته المميزة لم يعرف سوى لغة البندقية والرصاص سبيلا للتفاهم، وقاد تعنته الشديد الى سفك مزيد من الدماء وتطور الحرب الاهلية

من هو علي مهدي محمد



ولد في مدينة عدلي إحدى قرى محافظة شبيلي الوسطى القريبة من العاصمة مقديشو عام 1938 وكان أصغر نائب في أول برلمان صومالي يتأسس بعد الاستقلال، بعد انقلاب سياد بري على الحكم ابتعد عن السياسة وتفرغ للتجارة، وفي غضون سنوات كان أحد ابرز تجار الصومال ويمتلك فنادق فخمة في مقديشو. في نهاية الثمانينات ومع بدء أفول نجم سياد بري كان علي مهدي من ضمن مجموعة من المثقفين والمفكرين الذين وقعوا عريضة تطالب الرئيس باصلاحات واسعة، فطاردهم الأمن القومي واعتقل بعضهم في حين فرّ بعضهم الآخر وكان علي مهدي ممن فرّوا الى اثيوبيا. انضم الى جبهة المؤتمر الصومالي التي كان يترأسها الجنرال محمد عيديد، وعيّنه المجلس رئيسا للصومال في 1991. يعتبره كثيرون الرئيس الرابع للصومال وأول رئيس بعد الثورة، ويراه آخرون رجلا ركب الثورة وتسلل الى السلطة من الباب الخلفي مستغلا انشغال الجنرال عيديد بالحرب الطاحنة مع نظام سياد بري

انفصال الاقليم الشمالي وتأسيس صوماليلاند

مع استمرار الحرب الدامية بين الفصائل المتنازعة في مقديشو، قرر الاقليم الشمالي المطلّ على خليج عدن في البحر الأحمر والذي دفع القسط الأكبر من فاتورة الثورة ضد نظام سياد بري أن يداوي جراحه بعيدا عن حروب الاخوة الاعداء. وفي 18 مايو 1992 اعلنت حركة اس ان ام انفصالها عن الصومال الكبير بذات حدود الصومال البريطاني قديما وتأسيس دولة صوماليلاند وعاصمتها هرجيسا التي عانت الامّرين، وتم انتخاب السياسي المخضرم ورئيس حركة اس ان ام عبدالرحمن تور كأول رئيس لجمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد

وقد أفرد تدوينة لظروف تأسيس صوماليلاند وتاريخها ان سنحت الظروف باذن الله

مجاعة 1992 والتدخل الأمريكي

تسبب فقدان الأمن بعد سقوط الحكومة المركزية وانقلاب الثوار الى فصائل مسلحة تقاتل فيما بينها الى تعرض الصومال لأول مجاعة من نوعها في تاريخه في عام 1992، وسجلت تقارير اغاثية آنذاك عن معاناة ما يقارب 30 الف مدني من المجاعة ووفاة أكثر من 10,000 منهم.، فأعلن في ديسمبر 1992 عن هدنة ووقف لاطلاق النار واعتبر المجتمع الدولي منطقة جنوب الصومال "منطقة كارثة" وتدفقت الهيئات الاغاثية والمنظمات. وكردة فعل عالمية على هذه الأوضاع المأساوية، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على القرار رقم 794 في 3 من ديسمبر عام 1992 وقد نص على تكوين قوة حفظ سلام بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وسميت يونيتاف وتهدف في المقام الأول الى الإغاثة الإنسانية ومحاولة اقامة السلام بين الفصائل المتنازعة. وصلت قوات الأمم المتحدة في بداية 1993. وكان الرئيس جورج بوش الاب قد وافق على ارسال قوات الجيش الامريكي في مهمة قصيرة انسانية بالدرجة الأولى أو كما قال "سينهون المجاعة ثم يرحلون" لكن الرئيس بيل كلينتون الذي خلفه على الرئاسة قام بتمديد الوجود الأمريكي في الصومال لمدة سنتين

في البدء، احتلت قوات الجيش الامريكي مع قوات حفظ السلام المبعوثة من الأمم المتحدة ميناء مقديشو وسارعت بتوزيع المعونات الغذائية العاجلة على المواطنين الصوماليين مما أراح الجميع. وشيئا فشيئا بدأت تظهر الدوافع الحقيقية للغزو الأمريكي الذي تنكر تحت ستار الامم المتحدة وتبين تخطيطهم لاقامة حكومة موالية برئاسة علي مهدي والقضاء على عيديد الذي رأت فيها أمريكا معارضا قويا لن يخضع لأجندتها، وكانت الصومال بالنسبة لأمريكا تشكل أحد أهم المنافذ الذي يمكّنهم من التحكم بممرات الشحن البحري العالمي (منفذ خليج عدن في البحر الأحمر والمحيط الهندي) ولطالما كان بناء قاعدة عسكرية في الصومال مطمح الساسة الأمريكان


بدأت بوادر الكره للقوات الأمريكية والتي كان قوامها 18 الف جندي تظهر على السطح، لكن الأحداث تسارعت عندما قامت واشنطن بارسال قواتها إلى مقر الإذاعة والتلفزيون الصومالي في محاولة مكشوفة لفرض الحكومة الموالية لها على الشعب الصومالي الذي رفض هذه الخطوة ورفض تواجد الأمريكيين على أرضه، و بدأت الإستخبارات الامريكية في جمع كل المعلومات المتاحة عن الجنرال عيديد بهدف تصفيته، تلاه حدث تعرض مقر القيادة العامة للقوات الأمريكية الى قنابل يدوية قيل أن وراءها مجهولين، لكن الادارة الأمريكية وجهت اتهاماتها المباشرة لقوات الجنرال عيديد، ثم ردت بتدمير وقصف حي كامل بمقديشو مما فجر الكراهية في قلوب آلاف المدنيين الذين سارعوا بحمل السلاح لمواجهتهم

وسرعان ما توالت الأحداث سريعا فأعلن الجيش الامريكي أن الحرب ضده يقف وراءها الجنرال عيديد وطالبوا برأسه وهدد كيرك كوكر الناطق العسكري باسم القوات الأمريكية عبر شاشة التلفاز بكل عنجهية قائلا أن القوات الأمريكية لن تهدأ ولن ترتاح حتى تعتقل الارهابي محمد فارح عيديد. وفي 3 أكتوبر 1993 وصلت معلومات من مصادر موثوقة إلى الأمريكيين بأن الجنرال عيديد وحشد من ضباطه ومساعديه سوف يعقدون إجتماعاً في مكان تم تحديده في إحدى أنحاء العاصمة مقديشو، فتوجهت قوات خاصة للاحتلال تساندهم المروحيات إلى منطقة الإجتماع بقصد إلقاء القبض علي عيديد أو تصفيته وكل معاونيه، وهاجم الأمريكان المبنى الذي يعقد فيه الاجتماع بكل إستخفاف ليكتشفوا بعد فوات الأوان أن كميناً كان قد نصب لهم


دارت معركة شرسة استخدم فيها الأمريكيون كل مالديهم من أسلحة وعتاد ضد المقاتلين الصوماليين المسلحين ببنادق عتيقة وبعض الأسلحة المضادة للدروع، وتمكنت قوات الجنرال عيديد من اسقاط 5 مروحيات و18 قتيلاً و 73 جريحا للأمريكيين، الذين لم يتوقعوا أبداً أن تسقط لهم خمس طائرات مروحية من طراز بلاك هوك في وقت واحد، وانطلق المدنيون الصوماليين ينتقمون من الجثث الأمريكية بسحلها في شوارع المدينة في مشهد مرعب تناقلته وسائل الاعلام العالمية نقلا عن محطةُ "سي إن إن" التي تفردت بالتغطية آنذاك، وأمام الحادثة المروعة بادر الرئيس بيل كلينتون الى سحب القوات الامريكية وانهاء العملية العسكرية والتي أسماها سلفه جورج بوش الأب بعملية "الأمل الجديد"، ورغم الخسائر الصومالية الكبيرة إلا أن الصوماليين تمكنوا من كسر العنجهية الأمريكية واصابوا كبرياءهم في مقتل، وتركت تلك الأحداث آثارها طويلا في السياسة الأمريكية اذ اشتبه الامريكان بأن الجنود الايطاليين ضمن بعثة الأمم المتحدة كانوا يمدون يد العون خفية لمساعدة عيديد على قتالهم، كما قامت هوليوود بصنع فيلم عن تلك الاحداث الفظيعة بعنوان: سقوط بلاك هوك 

 في 3 مارس 1995 انتهت مهمة قوات حفظ السلام المبعوثة من الأمم المتحدة بفشل ذريع لم تتمكن فيه من اعادة الامن أو تشكيل الحكومة المركزية، وتركت الصومال نهبا للفصائل المتنازعة وأمراء الحرب

مرحلة ما بعد 1995 ومقتل الجنرال عيديد

في أوائل العام 1996 م توفي الجنرال محمد فارح عيديد إثر جراح بالغة أصابته أثناء إحدى المعارك ضمن أتون الحرب الاهلية ليتم تنصيب ابنه حسين عيديد خلفاً له في قيادة المليشيا عقب عودته من الولايات المتحدة الأمريكية. طموح الجنرال رحمه الله بأن يكون يوما من الأيام رئيسا للصومال ولو بالقوة العسكرية أودى بالبلد للانهيار، ولكنه تمكن من دخول الذاكرة الصومالية بكونه الرجل الذي ألحق الهزيمة بالقوات الأمريكية


كان حسين عيديد أكثر مرونة من أبيه، فأعلن في ديسمبر عام 1997م ما سمي بإعلان القاهرة في المصالحة بين علي مهدي وحسين عيديد، وفي عام 1998م أعلن عن خطة لتقاسم السلطة في مقديشو والمصالحة الشاملة بين فصائل الجبهة المتنازعة وكانت هذه بادرة ايجابية دلت على قرب انفراج الأمور، وفي عام 2000م خاض علي مهدي انتخابات رئاسة الصومال في مؤتمر عرته الذي أقيم بجيبوتي، لكنه لم يجد أصواتا كثيرة،  وأصبح عضوا في البرلمان الانتقالي وتولى الرئاسة عبدالقاسم صلاد تلاه عبدالله يوسف

ومع استمرار معارك الكر والفر بين امراء الحرب، دخلت الصومال في دوامة جديدة مع ظهور المحاكم الاسلامية وبدء ما سمي بالثورة الاسلامية في مقديشو


هناك تعليقان (2):

  1. أسماء الفضل23 مارس، 2012 12:58 م

    جهد جميل يا أحلام وليتك تربطين مباشرة بين ما حدث في الصومال مثلا بما قد تواجهه دول الربيع العربي فأنا أرى أن بعض العوامل التي أدت بالصومال الى الحرب الاهلية موجودة في ليبيا واليمن مثلا كالقبلية والتسلح مثلا.

    ردحذف
  2. سرد جميل, دائما تراهن أمريكا على الحصان الخاسر في الصومال إلى الآن لم أفهم لماذا تم اختيار علي مهدي رئيسا مع العلم بأن عيديد هو الذي كان يملك القوة العسكرية. كان يجب التفاهم معه أو تركه رئيسا لفترة محدودة بدلا من الإنقسام الذي جر الويلات على الصوماليين.

    ردحذف