الجمعة، 23 مارس، 2012

السلفيون في مواجهة القضايا الكبرى - سلفيو مصر أنموذجا


بالرغم من أن المجموع الحضاري الغابر للمسلمين كان نتاج السلف الصالح الذين خرج منهم علماء أفذاذ وفلاسفة وأطباء ومفكرين وفقهاء مجددين، الا أن سلفية عصرنا المتأخرين لم يشابهوا سلفهم في التجدد والابداع واكتفوا بأن يكونوا سجناء نقولات وتفاسير الموتى من السلف، فسيطر النقل والتوقيف وبقية أدوات الخطاب الديني الوعظي على جميع مناحي حياتنا، وتلا هذا الجمود الاهتمام بصغائر الأمور وتوافهها على حساب ما هو أهم

ولأن العقلية السلفية المتأخرة التي تكونت عبر قرون الهزيمة والتخلف، شاركت وتحت وطأة قمع السياسي في مخططات تخدير الشعوب واشغالها بالقشور والشكليات طاعةً لولاة الأمر الذين حددوا لهم ملاعبهم ورسموا الخطوط الحمراء الممنوع تجاوزها، فقد فرخت لنا -هذه العقلية- مع مرور الزمان أجيال وأجيال من وعاظ السلفية المعاصرة الذين أصبح الناس يميزونهم بمسمى "شيوخ الحيض والنفاس" لانحصار فتاويهم عادة حول المرأة وخصوصياتها ولباسها وكل ما يتعلق بها. هؤلاء السلفيون لا يجيدون اللعب خارج الاطار الذي حدد لهم من قبل، لهذا كان أداءهم مخزيا بعد ان تفجرت براكين الربيع العربي، واستمر تعلقهم بثقافة القشور حتى بعد أن مكّنهم الله من السلطة واستطاعوا بفضل الله الوصول الى بعض البرلمانات العربية المنكوبة

نتيجة لذلك، نجد أن برلمان الثورة في مصر يتحول الى نكتة سياسية مستمرة بسبب القشوريين من نوابه، وبدلا من الانشغال بالقضايا العاجلة التي تواجه مصر في مرحلة حرجة سياسيا يتسلى النواب السلفيون باشباع ادمانهم لاثارة قضايا هامشية جانبية وجرجرة الشريعة من شكلها واقحامها في هذه الهوامش بشكل فج، ففي الوقت الذي لم تجف فيه دماء الثوار الذين قتلوا في اشتباكات مع العسكر وزج بالمئات منهم في السجون وقدّم آخرون لمحاكمات عسكرية، يقدم نائب سلفي في برلمان يفترض انه صوت الثورة وبرلمانها مشروع طلب إحاطة عاجل لرئيس مجلس الشعب لحجب المواقع الإباحية من شبكات الإنترنت بمصر، وبينما يعجز هؤلاء النواب - كما ذكر الدكتور عمرو حمزاوي في احدى مقالاته - عن فرض مناقشة  قضايا ساخنة كالاعلان الدستوري الذي صاغه العسكر أو الضغط على الحكومة والمجلس العسكري لاستعادة أموال مبارك المجمدة في الخارج والتي قيل أنها تصل الى 11 مليار دولار، لا يجد النائب السلفي حرجا من تضخيم كلمة (حمار) التي وجهها النائب الشاب زياد العليمي للمشير فيطالب بتحويله لجلسة تحقيق وينشغل به ويشغل العامة والدولة والحكومة معه ويعزف على وتر خطابه الوعظي البكائي عن رفض اهانة رموز الدولة (ولاة الأمر الجدد) وعن وجوب اعتذار العليمي لسيادة وجلالة وفخامة وقداسة المشير طنطاوي، ولعدة جلسات تحظى كلمة (حمار) التي صدرت عفوية باهتمام برلمان الثورة في حين تهمل قضايا أهم


ولأن النائب السلفي يعجز عن التخلص من الارث الثقيل لثقافة القشور والاهتمام بالقضايا الجانبية، فما ان تهدأ معركة (الحمار) حتى يبادر في البحث عن جدلية أخرى تشغله، ويجد ضالته هذه المرة في دقيقة الحداد على روح البابا شنودة قبل بدء احدى الجلسات البرلمانية،  فعوضا عن مرور سريع لدقيقة واحدة، يضيع حضرةالنائب السلفي دقائق ودقائق لا حصر لها وهو يحتج على هذه (الدقيقة)، وعندما يغلبه رئيس البرلمان -الاخواني بالمناسبة- ويفرض الدقيقة رغما عنه لا يجد مفرا من الهروب من القاعة احتجاجا، وكالعادة تجرجر الشريعة من قفاها ويبرر السلفيون فعلتهم فيما بعد بأن (دقيقة الحداد) لا أصل لها في الشريعة

هكذا يعود المجتمع للانشغال بما أشغلهم به نواب القشور وتدور الحوارات البيزنطية وتبتذل الشريعة وهي تجرجر يمنة ويسرة من اجل عيون (الدقيقة)، كلٌ يدعي وصلا بها ويحاول جعلها في صفه والاستدلال بها لتدعيم موقفه. لكن المشهد الاشهر الذي سيدخل به برلمان الثورة المصرية التاريخ من بين مشاهد ومواقف وجلسات كثيرة هو مشهد ذاك النائب السلفي وهو ينهض في وسط الجلسة ليقطع النقاشات برفع آذان صلاة الظهر دون أن يأبه لاعتراض رئيس البرلمان الاخواني فيبادره الأخير بعد أن فاض به الكيل بالعبارة الشهيرة: يا أخ.. يا أخ لست أكثر منا ايمانا فلا تزايد علينا




هذا هو حال العقلية السلفية اذا تمكّنت ومنّ الله عليهم بدخول السياسة والبرلمانات، فارث العقود الماضية من احتراف الاستغراق في صغائر الأمور والاعراض عن كبائرها يصعب التخلص منه بين ليلة وضحاها. الغريب أن تجد بعض السلفيين يسوقون الحجج لتبرير اهتمامهم بالشكليات والقشور، فقد لفت انتباهي قبل فترة مقال طويل عميق للشيخ سليم بن عيد الهلالي بعنوان "الدين قشر ولباب"، والمقال في مجمله عجيب وفي تفاصيله أعجب، اذ يقول الشيخ أنه "لا يوجد في الدين قشرٌ ولباب بل كله مهم، وحتى لو كان هناك قشر ولباب في الدين فان اللباب لا يحفظ الا بالقشر، والا لفسد اللباب". ثم يمضي الشيخ في ايراد اقوال وأحاديث يستدل بها على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم أيضا بـ"القشور" وحزمهم في مسائلها دون أن يثنيهم ذلك عن الخوض في "اللباب". وبذلك يسطّر شيوخ الحيض والنفاس فصلا جديدا في مرمطة الشريعة انتصارا لفكرهم الهامشي

بل انهم باتوا يعدّونها مفخرة يرفعون بها الرأس عاليا، وكان الشيخ السلفي الحويني قد سرد مآخذه على مفتي الجمهورية د. علي جمعة عقب خلافهما الشهير فذكر من ضمنها: "والرجل لم يتكلم يوما في اولويات المواطن العادي كالنقاب وحرمة التبرج ولم يؤلف كتابا واحدا حول هذه الموضوعات". هنا يتوصل الشيخ الحويني الى نتيجة منطقية لطيفة وهي أن هذه الشكليات ما دامت تشكّل اهتماماته فلابد وأنها ضمن اولويات المسلم العادي الذي لا تثنيه مشاغل الحياة والبحث عن لقمة العيش من وضع "النقاب" و"التبرج" و"السفور" في قائمة أولوياته

والى أن يتخلص السلفيون من ارث عميق الجذور في الاهتمام بالقشور والشكليات ستظل الشريعة تجرجر ونحن معها نجرجر في جدالات بيرنطية لا تقيم نهضة ولا تبني حضارة

هناك تعليقان (2):

  1. محمد عبدالله24 مارس، 2012 1:44 ص

    مش باعتب عليكي وربنا عتبي ع اللي يربي حد زيك ويعطيها قلم. فجأة بقوا الاخوان ابطال مع انكو يا ثورجية اكتر ناس بيلعنوا الاخوان لكن مش مشكلة يبقوا حبايبكو لو كانت الغاية هي شتيمة السلفيين. اللي بيقرأ تغزلك بالكتاتني رئيس البرلمان بيقول دى مش ثورجية خالص وبرضه السلفية هتفضل نهج الاسلام الصحيح

    ردحذف
  2. مصر من التنوير الى الحضيض وبكره يجي ابو اسماعيل رئيسا ويكمل ما بدأه هؤلاء النواب الافاضل وتصير مصرستان

    ردحذف